18 سبتمبر, 2011

رؤية هادئة لأوضاع مضطربة

عادل البازقلنا في المقال السابق، ان خطاب السيد باول أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، صيغ بطريقة باهرة وماكرة، توضح طرائق العقلية الأمريكية في تعاملها مع الأزمات.من الواضح ان الإدارة الأمريكية في موقفها تجاه هذه الأزمة، بدأت مدفوعة بإتخاذ مواقف متشددة تجاه السودان، وفي ظني ان هذه المواقف لا تعكس رغبتها الحقيقية ولأسباب عديدة، أهمها ان انجازها التاريخي في القارة الأفريقية حتى الآن هو تحقيق السلام في السودان بعد حرب استمرت لأكثر من عشرين عاما.ً وهذا أعطى الإدارة الأمريكية كرتاً شديد الأهمية لاستقطاب أصوات الكتلة السوداء في الانتخابات القادمة.بنت الحكومة الأمريكية استراتيجيتها على إدامة الضغوط على الحكومة السودانية لإنهاء أزمة دارفور بالسرعة اللازمة وإغلاق ملف نيفاشا بتوقيع اتفاق نهائي مع الحركة الشعبية على وجه السرعة أيضاً.ذلك سيتيح لبوش ان يضع في سجل سياساته الخارجية بعض الإنجازات التي يخلو منها حالياً، وانجاز أزمتين في بلد كالسودان وفي وقت وجيز، لا يعادله إنجاز آخر يمكن ان يجلب له أصواتا مقدرة في الانتخابات وخاصة في أوساط الأفارقة الأمريكان.الملاحظة العامة في خطاب السيد باول أمام مجلس الشيوخ، هي ان هذا الخطاب صمم لمخاطبة الرأي العام الداخلي لا العالم، تجاه قضية مهمة. ان المستهدف في خطاب السيد باول كما هو واضح، هي تلك المجموعة المهتمة من الناخبين والمتأثرة بجماعة الضغط والإعلام الأمريكي تجاه قضية دارفور، ولذا بدأت أغلب فقرات الخطاب تنزع إلى إبراز الجهود والإنجازات، بما يعطي انطباعاً ان هذه الإدارة، إدارة السيد بوش والسيد باول، قد فعلت كل شئ ولم تستبقِ شيئاً.استهل السيد باول خطابه مذكراً بأن (الرئيس بوش أول من أدان علناً الحكومة السودان وحث المجتمع الدولي على تكثيف جهوده لإنهاء العنف. ثم استمر السيد باول يعدد إنجازات الولايات المتحدة في سبيل إنهاء الأزمة، بدءاً بزيارة سيادته إلى دارفور حيث التقى بالأمين العام للامم المتحدة هنالك، الذي اتفق معه على استمرارية الضغوط على السودان.مضى السيد باول يخاطب تلك الكتلة الانتخابية التي يعول عليها طارحاً إنجازاته في كافة مسارات الأزمة. أخذ السيد باول يعدد ما تم إنجازه في مجال الإغاثة، قائلاً :(قدمت الولايات المتحدة 211.300 مئتين وإحدى عشر مليون وثلاثمائة ألف دولار، وذلك حتى سبتمبر 2004م، منها ستة ملايين وثمانمائة ألف دولار خصصت للاتحاد الأفريقي مما ساهم في وصول القوات النيجيرية والرواندية لدارفور و مباشرة عملها في المراقبة بإقليم دارفور.لم يكتف السيد باول بإعلان ما أنفق على الإغاثة، بل أعلن ان حكومته خصصت مبلغ عشرين مليون وخسمائة ألف دولار كمعونة إضافية لسنة 2004م وذلك لتوسيع بعثة الاتحاد الأفريقي.هذان الإنجازان في المسارين الإغاثي والأمني، دعمتهما حكومة السيد باول كما قال بموقف سياسي ضاغط في مجلس الأمن، حيث استطاعت حكومة الولايات المتحدة بضغط منها، من استصدار القرار 1556، الذي طالب بمحاسبة المسؤولين والسماح لمنظمات الإغاثة بالعمل دون قيود، وأبقى سيف العقوبات مسلطاً على رأس الحكومة السودانية.كأن السيد باول يريد ان يقول لناخبيه إننا لم نكتف بكل ذلك، بل مضي مذكراً بأن حكومته قد استطاعت جمع أطراف الصراع الآن في أبوجا، وذكر سيادته بلقائه السيد الرئيس عمر البشير والنائب الأول السيد طه، ووزير الخارجية إسماعيل الذي طالبهم فيه بسرعة التوصل إلى سلام شامل مع الحركة الشعبية قائلاً (إن نموذج اللامركزية الذي اقترحته نيفاشا، يمكن ان يكون مفتاحاً لحل أزمة دارفور).بعد ذلك، عاد السيد باول إلى حديث الوعود فوعد بتخصيص 299 مليون دولار للمساعدات الإنسانية في عام 2005م، يخصص منها 11.800.000 مليون للاتحاد الأفريقي.ماذا أفعل لكم أكثر من هذا؟. لعل هذا هو السؤال الذي لم يسأله السيد باول ولكنه كان واضحاً في أغلب فقرات خطابه.أخيراً وصل السيد باول في خطابه إلى بيت القصيد وهو مسألة الإبادة فذهب مباشرة إلى القول( الخلاصة هنا ان هنالك إبادة قد حدثت، واحتمال أيضاً أنها تحدث الآن في دارفور)، هنا بدا واضحاً مكر السياسة الأمريكية وذكاؤها، فلم يكن ممكناً للسيد باول منازعة الكونغرس في وصفه لما جرى في دارفور بالإبادة، ولكنه حتى الآن لا يريد ان يحمّل إدارته مسؤولية ما يترتب على هذا الوصف، ولذا لا بد من حركة التفاف عالية المهارة لا تحمله مسؤولية تبعات الوصف ولا تجعله متناقضاً مع ما أعلنه الكونغرس، ولذلك نجد السيد باول يقول: (سمها تطهيرا عرقيا، أو سمها إبادة أو قل هي ليست كذلك ... الحقيقة ان هنالك أناس في دارفور يحتاجون الآن إلى مساعدتنا).وهنا يلتقط السيد باول نقطة يبدأ منها هجوماً معاكساً على الذين يريدون ان يزايدوا على إدارته ويدعوها إلى المضي حتى نهاية الشوط حين يقول: (يبدو ان البعض ينتظر هذه اللحظة، لحظة الإقرار بأن هنالك إبادة لاتخاذ قرار. في الحقيقة ومهما، يكن لا يوجد فعل جديد اتخذ بناء على هذا الإقرار)، ثم يمضي السيد باول مذكراً الأعضاء (على العموم فيما يخص الإبادة، هذا رأينا وليس رأي المجتمع الدولي).يحاول السيد باول حتى نهاية مطافه، أن يجد لنفسه مخرجاً من موقف لا يرغب فيه، ويجد للحكومة مخرجاً من مأزقها قائلاً: (قبل ان نأخذ حكومة السودان إلى أحكام العدل الدولية، دعوني أحدد نقطة بسيطة للخرطوم لتبتعد بها عن هذه الإدانة الجماعية وهي ان تتخذ أفعالاً) وحددها كالآتي:1. على الحكومة ان تنهي الهجمات وتوفر الأمن لمواطنيها.2. محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة.3. إنهاء مفاوضات أبوجا بنجاح.4. الموافقة على زيادة قوات المراقبة التابعة للاتحاد الأفريقي.فيما يخص هذه المطالب الأربعة التي تمثل خارطة طريق للحكومة، أرى ان هناك مطلبين لا يمثلان للحكومة أي تحدٍ فإنهاء الهجمات وتوفير الأمن للمواطنين هذا من صميم عمل الحكومة وليست مشحودة عليه وهي تسعى الآن لهذا الاتجاه الذي هو من أوجب واجباتها، المطلب الثاني وهو زيادة قوات المراقبة التابعة للاتحاد الأفريقي، في رأيي الأفضل للحكومة الموافقة على طلب الاتحاد الأفريقي قبل أن يفرض ذلك بقرار من مجلس الأمن، ولابد من إعلان هذا الموقف قبل نهاية هذا الاسبوع لأنها بذلك تكون قد أسقطت بنداً أساسياً في بنود المشروع الأمريكي. خير لنا أن نفعل ما هو ممكن بأيدينا لا بأيدي غيرنا.المطلبان الآخران الخاصان بإنهاء المفاوضات بنجاح ومحاسبة المسؤولين، هنا تحتاج الحكومة للتكتيك وهي بلا شك شاطرة في هذا المجال. تحتاج الحكومة ان تتقدم بعض الشئ في مسارات التفاوض الثلاثة القاهرة، أبوجا، نيفاشا، ليس بالضرورة ان تحسمها إنما المطلوب الآن التقدم في التفاوض. لقد أعجب المجتمع الدولي الآن بموضوع برتوكول الإغاثة رغم أنه كان تحصيل حاصل، فللحكومة ان تكسب وقتاً وهي تواصل التفاوض من ناحية وتقبل بقوات المراقبة من ناحية أخرى، ليعترف المجتمع الدولي بناءاً على ذلك بتحسن الوضع الأمني على الأرض، مما يشكل ضغطاً على حركتي التمرد في دارفور ويخفض سقف مطالبهما، ثم الدفع بمفاوضات القاهرة إلى آفاق الحلول الممكنة، وكذلك بمواصلة التفاوض مع الحركة الشعبية في سبيل تهدئة مخاوفها من ناحية، و إعلان التزام الحكومة بالمضي قدماً في مفاوضات السلام.باختصار، تحتاج الحكومة إلى اختراق سياسي، فهل هي قادرة على ذلك وماهي إمكانية تحقيقه؟.. نحاول ان نفحص ذلك لاحقاً.المهم ان السيد باول فيما بدا من خطابه، ان آخر ما يرغب فيه هو المضي في متاهات المحاكم لتجريم عناصر النظام، فلا وقت له ولا رغبة ، خاصة ان انتخاباته على الأبواب وان استثماراته في النظام لم يحصد منها شيئاً، ولذا فإن آخر من يرغب فيه أيضاً هو سقوط النظام بل ويطلب من النظام المساعدة في فك رقبته ورقبة السيد بوش التي تدخل الآن مقصلة الانتخابات، وبناءً عليه، لا يريد السيد باول اتخاذ إجراء بناءً على إقراره بالإبادة رغم ان المعاهدة تلزمه بالتدخل، ثم إن السيد باول يهدي للحكومة خارطة لتخارج نفسها. كل ما يهم السيد باول حالياً ان يحصد الأصوات التي يمكن ان يستفيد منها لكسبه في دارفور والجنوب، ويطلب من الحكومة مساعدته في ذلك. أما إذا تبين ان الحكومة غير راغبة في ذلك وغير متعاونة مع إدارة بوش وداعمة لها، فلتذهب إلى الجحيم.السيد باول وممثل إدارته القس دانفورث، سيذهبان بمشروعهما خلال هذا الأسبوع إلى مجلس الأمن، إلا آن السيد باول يبدو يائساً من حظوظه هناك كما أنه هو نفسه لا يرغب في أي عقوبات تنسف أو تهدد انجاز حكومته الوحيد في القارة الأفريقية. كل ما هنالك، أنه يريد ان يظهر للشعب الأمريكي وخاصة إلى من يهمه الأمر ما فعله تجاه أزمة دارفور، فهو باختصار يريد ان يقول فعلت كل شئ ولم يتبق إلاَّ التدخل العسكري هنالك. هل تريدونني آن أذهب بجنودي الآن إلى تلك الإصقاع؟. في اعتقادي أن السيد كيري وطاقمه من جماعات الضغط، لن يستطيعا ان يزاودا عليه في هذه النقطة لأنهما لازالا يدينان إدارة السيد بوش ويتهمانها بأنها عزلت الولايات المتحدة عن العالم بشنها حروب متعددة منفردة.السيد باول أعلن ان الصين لن تقبل بعقوبات على قطاع النفط السوداني، وكذلك باكستان والجزائر. إلى جانب ذلك، أبدت بريطانيا تحفظاتها على الأوصاف التي تطلقها الولايات المتحدة بشأن الأزمة في دارفور لأول مرة، وكذلك تحفظت روسيا، فلم يجد السيد باول أمامه إلا قرارين يستطيع ان يجيزهما: الأول يتعلق بزيادة قوات المراقبة الأفريقية، والثاني مطلبه بتكوين لجنة دولية للتحقيق في مزاعم الإبادة. وبالطبع لن يستطيع مجلس الأمن مقاومة هذين المطلبين وسيكون السيد باول سعيداً بذلك، ولن يضغط أكثر من اللازم في هذا المجال وفي هذا التوقيت بالذات، فلا زال سيادته يأمل في ان تنقذه الإنقاذ وتنقذ نفسها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق