عادل البازطالبنا بالامس، الحكومة باخذ زمام المبادرة تجاه وضعية الفصائل الجنوبية المسلحة في الفترة القادمة، وقلنا ان عملية السلام قد تواجه تهديدا جديا اذا ما تركنا الحبل علي الغارب لهذه الفصائل التي تنتابها مخاوف شتي من المستقبل الذي ينتظرها ، ولا تملك الا خيارات محدودة .هذه الخيارات يمكن ان تكون مدخلا للتفاهم معها او تؤدي الي زيادة توترها لتعود الي دائرة العنف مرة اخري .تتخوف الفصائل من مستقبل لا تعرف كيف سيتصرف طرفا نيفاشا، وتخاف ان لم تسوِ حليفتها الحكومة وضعها ان ينفرد بها قرنق الذي سيتمكن من الجنوب قريبا فيفعل بها الافاعيل ،وتخشي ايضا اذا ما تخلت الحكومة عنها ان تجف مصادر التمويل التي كانت تتلقاها، وبالتالي ستتغير وضعية قادتها المميزة في تلك المناطق وقد يؤدي ذلك الي انفضاض الأنصار من حولها وتتبعثر قواتهم كل يبحث عن الجهة التي ستكفله .هذه المخاوف يمكن اذا ما عملت الحكومة عليها ان تكون مدخلا مناسبا للوصول لتفاهمات مع هذه الفصائل بصورة مجدية .المطلوب عاجلا من الحكومة ان تدير حوارا مع هذه الفصائل ولا تكتفي بالتطمينات الهلامية التي يبعث بها بعض قادة هذه الفصائل لاطراف متعددة داخل الحكومة ، فتبني عليها حسابات خاصة . اقترح دعوة القادة السياسيين والقادة العسكريين في الميدان لسماع آرائهم ، ومن ثم التحضير لمؤتمر للوصول الي رؤية مشتركة تدفع الاطراف المختلفة لتسوية عادلة للطرفين . هذه الخطوة ضرورية. بالطبع ندرك ان هنالك اتصالات تجري الأن وبحسب مسؤول رفيع من قادة هذه الفصائل حدثني أمس، فإن وفد الفصائل الذي عاد من نيفاشا قد التقي امس الاول بمسؤولين حكوميين حيث تم تنويرهم بما دار مع وفد الحركة هناك . في رأيي ان هذه خطوة اولي جيدة ولكن مشكلتنا ان الزمن لايسمح بمناورات كثيرة ومشاورات تطول، فسيطرة الحركة علي الامور في الجنوب ستزيد الامور تعقيدا .في اطار هذا الحوار المقترح يمكن ان تصل الحكومة الي حلول لمعالجة وضعية هذه القوات وهنالك متسع ،مثلاً الفصائل تطالب بالسيطرة علي مناطقها وهذا مطلب فيه تجاوز لن تقبله الحركة ولا توافق عليه الحكومة، ولكن يمكن ان يكون البديل في القوات المشتركة فهنالك 24.000 جندي .يمكن للحكومة ان تستوعب عددا مناسبا من قوات هذه الفصائل في القوات المشتركة، ومن ثم يتم توزيعها مع قوات الحركة الشعبية والجيش النظامي علي مناطق مختلفة في الجنوب، من ضمنها المناطق التي تسيطر عليها الفصائل ويمكن اعطاء نسبة اكثر قليلا لقوات هذه الفصائل داخل المناطق التي تسيطر عليها حتي تطمئن الا احد يسعي لتصفية وجودها . بعض مطالب هذه الفصائل المتعلقة بوضعها عموما في الجيش والحياة المدنية تبدو معقولة ومشروعة، وفي رأيي ان جزءا من هذه المطالب يمكن الاستجابة له ضمن برامج الـ DDR (تسليح ونزع سلاح وإعادة دمج) الافراد الذين سيتأثرون، تسريح وتقليل حجم القوات، ويمكن للحكومة ايضا ان تستوعب جزءا من قادة الفصائل الجنوبية ضمن نسبتها في السلطة (15%) . ويمكن استيعاب اخرين في الهيئات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وداخل الاطر التنظيمية داخل المؤتمر الوطني نفسه . اذا كان النظام ينظر ببعد استراتيجي، فإن هذه الفصائل المرتبطة به وبالشمال بالضرورة يمكن ان تمثل قاعدة صلبة لبناء الوحدة داخل الجنوب، بحيث يضم صوتها الي صوت تيار الاعتدال والوحدة في الجنوب بل وحتي داخل الحركة الشعبية نفسها، فتتقوي التيارات الوحدوية ببعضها البعض، وهو ما يصب في نهاية الأمر لصالح الوحدة . تحول هذه الفصائل الي فصائل سياسية او احزاب سياسية فاعلة متحالفة مع المؤتمر الوطني تمتلك نفوذا ممتدا داخل عدد من ولايات الجنوب ، مستندة علي دعم سياسي واقتصادي، فإن ذلك يؤهلها لان تلعب دورا حاسما في تشكيل مستقبل الجنوب السياسي .قبل ان انهي هذا المقال، سأحكي لكم هذه الحكاية : قيل ان الناقد الكبير احسان عباس اخذ علي عاتقه طباعة ديوان كجراي بالدين، حتي يوزع فترجع امواله الي صاحب المطبعة الذي طبعته .كان اسم الديوان (الصمت والرماد) ، وتم طبع وبيع الديوان ولم ترجع الفلوس الي صاحب المطبعة الذي ظل يطارد احسان عباس ،فكتب احسان للمسؤول عن الديوان : السيد ... فلان لذت بالصمت وتركت لي الرماد .أخشي ما اخشاه ان تتباطأ الحكومة في فعل اي شئ تجاه هذه المعضلة وتلوذ بالصمت، فينهال عليها الرماد بعد ان يصل قرنق الي سدة الحكم في الجنوب، وما أكثر الرماد الذي كال حماد في هذه الحكومة اكثر من مرة وهو ينتظر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق