الأحد، 18 سبتمبر 2011

أوربا القديم والسودان الجديد

الاضطراب الذي انتاب الاتحاد الاوروبي منذ ان دخلت امريكا خط الصراع علي دارفور وبدأت زحفها نحو الصدارة، يشيء بأن اوروبا القديمة قد ضلت طريقها في منطقة من العالم خبرتها لعقود طويلة، واسوأ ما في الأمر ان تبدو اوروبا القديمة مستودع الحكمة، مجرد متسابق مع قوة جاهلة بالعالم والتاريخ. بالامس، في خطوة غريبة اعلن الجنرال غوستاف هاغلاند المسؤول عن الشؤون العسكرية في الاتحاد الاوروبي، اعلن (ان قوات من الاتحاد الاوروبي قد تتدخل في منطقة دارفور التي تشهد منذ أكثر من سنة حوادث دامية) ومضي قائلا لصحيفة الفاينانشال تايمز في عددها الصادر امس الثلاثاء (ان السودان مدرج في لائحة الامم المتحدة لمهمـــــة حفظ سلام ).
جاء هذا التصريح خارج الزمن تماماً. جاء في وقت كونت فيه الحكومة لجنة تتمتع بصلاحيات قضائية طافت برفقة وزير الخارجية ووزير العدل السوداني اغلب مناطق الصراع بدارفور، ثم جاء في وقت توصل فيه طرفا النزاع الي اتفاق انجمينا الذي وقع فيه وقف لاطلاق النار وتم فيه السماح لمنظمات الاغاثة يأن تباشر عملها في توصيل وتوزيع الاغاثة للمتضررين . الغريب ان الاتحاد الاوروبي هو مهندس لقاء انجمينا وراعي الاتفاق، واطلق مسؤولوه عدة تصريحات بأنهم سعيدون بما جري في انجمينا . السيد فاردلوف ممثل الاتحاد الاوروبي في السودان وبصحبته السيد جانييه من فرنسا اضافة الي الامريكي روجر وينتر وتوم فرانسلن، شهدوا ما تم في انجمينا. والان ينخرطون مع الوسيط التشادي لقيام جولة اخري من المفاوضات السياسية بين الطرفين. اذا ما معني ان يصدر تصريح كهذا في مثل هذا الوقت؟. هل للاتحاد الاوروبي اجندتان الاولى تتبني العمل الاغاثي والحوار السياسي ،والاخري تتبني التدخل العسكري ام الامر لا يعدو ان يكون مزايدة سياسية في سباق مستعر بين اوروبا والولايات المتحدة؟ .
امريكا اعلنت علي لسان رئيسها جورج بوش، موقفها من الحرب الدائرة في دارفور ودعت الاطراف الي حل سلمي. في ذات المساء خرج كوفي عنان قائلا ان علي دول العالم الاستعداد للتدخل في دارفور عسكرياً. اضطرت الولايات المتحدة ازاء هذا التصعيد غير المبرر، ان تعلن بعد اقل من 24 ساعة انها لا تحبذ التدخل العسكري وتفضل الوصول لحل سلمي. الغريب ان هذا الموقف ينسجم مع موقف الاتحاد الاوروبي الذي بدا في انجمينا والساعي لحل سلمي للحرب في دارفور. لا اعرف ما الذي استجد حتي ترتد اوروبا بعد انجمينا مباشرة فتلبس الخوذة وتدعو لتدخل عسـكري في دارفور؟ .
يبدو ان هذا السباق المحموم تجاه السودان وخشية اوروبا من ان يتم اخراجها من حيز الفعل السياسي في القارة الافريقية، هو الذي ادي لان يدفع السودان فاتورة هذا التناقض الواضح في مواقف الاتحاد الاوروبي. انظر كيف يجري السباق الاعلامي امام الرأي العام العالمي ففي ذات الساعات التي اعلن فيها الاتحاد الاوروبي ان قوات الاتحاد الاوروبي قد تتدخل في دارفور عسكريا، كان الناطق باسم الخارجية الامريكية باوتشر، يتهم الحكومة السودانية والمتمردين بانتهاك وقف اطلاق النار (تصريح اول امس الاثنين). مضي باوتشر قائلاً «ننتظر من الاطراف ان تحترم وقف اطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في انجمينا» .
اطلق باوتشر هذا التصريح في وقت اكد فيه طرفا الصراع انهما احترما وقف اطلاق النار حتي قبل مواعيد تنفيذه. هذا نفس السيناريو الذي جري بعد حديث كوفي عنان امام لجنة حقوق الانسان في جنيف والذي في اعقابه اطلق الرئيس بوش تصريحات من مزرعته يتهم فيها الحكومة بالاعتداء علي مواطني دارفور .
يا تري ماذا تريد اوروبا ؟ اوروبا كانت من اكبر المساهمين في شريان الحياة، وهي العملية التي انقذت ملايين الناس في الجنوب من الموت. اوروبا هي التي تبنت ما عرف the global plan for 2002 ودفعت وحدها 17 مليون دولار للاعمال الانسانية ، اوروبا شريكة في مفاوضات نيفاشا وراعية لمفاوضات انجمينا ،اوروبا هذه لا زالت تعد بفك 400 مليون دولار بحسب اتفاقية كوتونو مجمدة لحين توقيع السلام .
هذه هي اوروبا نفسها التي تلوح الان بالتدخل العسكري علي لسان المسؤول العسكري للاتحاد الاوروبي، في حين تصرح السيدة كريستيانا غالاشي المتحدثة باسم الاتحاد الاعلي للسياسة الخارجية الاوروبية بعكس ذلك ، حيث صرحت أمس الثلاثاء لوكالة فرانس بريس قائلة( فيما يخص دارفور ما من شئ ملموس او محدد. ليست هنالك تحضيرات عسكرية محتملة) وهكذا يقول غوستاف هاغلاند ان هنالك احتمالاً لتدخل عسكري وكريستينا تؤكد ليس ثمة احتمال لتدخل عسكري .
هذا هو الاضطراب عينه.. تلويح بتدخل عسكري في الصباح ونفي في المساء من الاتحاد الاوروبي .
الاتحاد الاوروبي يخوض الان معركة ضد السودان لوضعه تحت البند التاسع الخاص بوضع السودان تحت وصاية مقرر حقوق الانسان بزعم الانتهاكات الشديدة لحقوق الانسان. يا تري كيف تفكر اوروبا في السودان ؟ اذا فكرت اوروبا في السودان بعقلية القرن التاسع عشر باعتبار ان السودان ليس اكثر من هدف استعماري مغرٍ، ستكون اوروبا القديمة لم تستفد شيئا من تاريخها ، وتكون قد كررت نفس المشهد حين رأت فرنسا القوات البريطانية تزحف الي عمق السودان ، زحفت هي الأخري من غربه حتي رفعت بيارقها في فشودة، والآن حين رأت اوروبا متحدة هذه المرة الدبلوماسية الامريكية النشطة تزحف من الجنوب، ارتأت ان تبدأ زحفها سراعا من الغرب متخذة ادوات العمل الدبلوماسي والسياسي سبيلاً ، ملوحة بالتدخل العسكري . وبدلا ان تستفيد اوروبا من تجربتها العميقة في هذه القارة ، ها هي تدخل في سباق محموم مع امريكا .
ما احوجنا الي اوروبا القديمة في مواجهة المستعمرين الجدد. العشم ان تسهم اوروبا القديمة في بناء السودان الجديد، ولكن للاسف وتحت وطأة الخوف، ها هي تمضي في سباق لا يعرف احد متي ولا كيف سينتهي ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق