قبل ان نبدأ في الإجابة علي السوال الذي طرحناه في المقال السابق حول مسببات اطلاق سراح الترابي، نبدي ملاحظتين مهمتين: الملاحظة الأولى حول الاستدراك الذي قدمه الاستاذ عبد الله حسن احمد نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي في تفسيره لما أثاره الدكتور الترابي من أن الضغوط وراء اطلاق سراحه . ما قاله الاستاذ عبد الله حسن احمد يقدم تفسيرا لضغوط بعيدة كل البعد عما هدف اليه د. الترابي، ولعله قصد منه تهدئه ثائرة الحكومة بيد أنه لم يقنع أحداً .
الملاحظة الثانية هي ان بعض المحسوبين علي المؤتمر الشعبي، لم يعجبهم ما أوردناه من رأي حول عدم جدة الافكار التي طرحها الترابي حتي الآن. الإخوة الذين غضبوا لم يسعفونا بفكرة واحدة جديدة اطلقها د. الترابي. فرق كبير بين أن تكون تلميذا للترابي وبين ان تصبح درويشا في حلقته ، إن أعظم انجازات د. الترابي أنه حرر الحركة الإسلامية من الكهنوت .ويبدو أن الردة التي يعنيها الترابي في حالةالحركة الإسلامية، هي الردة من طلاقة افكار الحركة الإسلامية الي جلباب الكهنوت مرةاخري .
نترك ذلك خلفنا ونجيب علي السؤال: لماذا اطلق سراح الترابي الآن وليس امس او غداً ؟ هنالك اسباب ثانوية وسبب رئيسي وأساسي. في ظني إن الأسباب الثانوية التي دفعت الحكومة اطلاق سراح د. الترابي هي اسرافها في الوعود في اطلاق الحريات وما من مؤتمر للحكومة الا ووعدت فيه باطلاق الحريات والمعتقلين وما الي ذلك. هذه الدعوة تطاول عليها الزمن ولم يصدقها واقع، وهكذا وجدت الحكومة في نهاية المطاف نفسها محاصرة بخطابها، وهو خطاب طالما اهتزت مصداقيته .
من الأسباب الأخرى هو التململ الظاهر في اوساط الإسلاميين داخل المؤتمر الوطني والإلحاح المستمر بضرورة اطلاق (الشيخ ). هذا الموقف بلغ قمته في اجتماع المجلس القيادي الأخير حيث اتضح ان اغلبية كاسحة تؤيد الإفراج عن د. الترابي، إضافة الي الهمهمات التي شهدتها اروقة المؤتمر العام الأخير . وهو مما جعل مؤسسة الرئاسة تبذل وعودا قاطعة بمعالجة الأمر عاجلاً .
السبب الثالث هو الأجواء التي اعقبت اتفاق نيفاشا، ومن الواضح ان النظام قد تنفس الصعداء بعد ان انهي اتفاقا حول الترتيبات العسكرية بنجاح، وبلا شك ان هذه الجبهة كانت تمثل مصدرا لمخاطر شتى تواجه النظام داخليا وخارجياً، وطبيعي إذا ما سكتت المدافع ستفتح ابواب السجون .
ما ذكرناه سابقا لا يرقي في رأينا لمستوي يدفع النظام لإتخاذ قرار بإطلاق سراح د. الترابي في هذه الأوقات بالذات، وأن كل هذه الأسباب كان يمكن أن يجد النظام زمناً طويلا للمناورة والدوران حولها على الأقل ستة اشهر أخرى يظل النظام مسيطرا فيها على الأوضاع بعد اتفاق السلام، وكان يمكنه ان يعطل القرار كما كان يفعل مع قضايا كثيرة ملحة.
يمكنني القول ان مفاوضات السلام التي تجري الآن في نيفاشا، هي العامل الحاسم وراء اطلاق سراح د. الترابي. معلوم أن النظام يقبل علي هذه الجولة تحت ضغط محلي بعد أن ا رتفعت آمال الشعب في الوصول الي سلام دائم، وبدأ يشكل جبهة ضغط قوية لإنجاز اتفاق السلام وفي وسط هذه الأجواء ، تصبح الردة عن ما جرى من خطوات او توقف العملية السلمية كارثة علي النظام خاصة وهو يحاور في محوري السلطة والثروة مما يؤكد اتهام النظام بالتشبث بالسلطة .
دوليا، لن يقبل المجتمع الدولي ومؤسساته بأقل من إتفاق شامل للسلام بنظر ة الي موقفي الطرفين المتفاوضين، فالحركة الشعبية لم يعد عندها ما تقدمه في طاولة المفاوضات، وآخر اوراقها لعبتها علي طاولة الترتيبات العسكرية والأمنية وليست بيدها الآن سلطة أو ثروة تتنازل عنها، وكل ما ستفعله هو أنها ستطلب وسترفع سقف مطالبها بصورة قاسية ولن يكون في وسع المجتمع الدولي ان يضغط عليهالتتنازل، وذلك يعني مباشرة ان الضغوط كلها ستصب علي رأس وفد الحكومة المفاوض المطلوب منه في هذه الجولة، أن يعطي ويعطي ولا يستبقي شيئا .
معروف ان مطامع الحركة في السلطة والثروة، تجاوزت ناكورو واضحت بلا سقف. الذين تابعوا حوار قرنق مع صحيفة الحياة اللندنية امس الأول، يدركون الي اي مدي وصلت مطامع الحركة. هكذا اصبحت الحكومة تواجه حصارا داخليا وخارجيا يشتد يوما بعد يوم . وليس بيدها اي كروت للضغط . ولا شئ يمنع النظام من بذل تنازلات في مثل هذا الوقت الذي تتكاثف فيه الضغوط .
المخرج الوحيد للنظام لتقوية موقفه التفاوضي، هو تسخين الجبهة الداخلية هذا مطلب عاجل ومن الأفضل ان يأتي بإتهامات خطرة من شاكله النظام قد باع الشريعة، وأن النظام قد رضخ للأمريكان، وأنه قدم تنازلات كبيرة للحركة مثل هذا الهجوم مطلوب الآن ومرغوب فيه بشدة .واذا كان هذا مطلوب، فلا بد ان يدفع احد ما أو جهة ما للقيام به فما هي الجهة المؤهلة لتسخين الجبهة الداخلية ؟ وإذا أردنا التحديد: يصبح السؤال من هو الرجل المؤهل تماما لتسخين الجبهة الداخلية لممارسة ضغوط عنيفة علي النظام. مع احترامنا للجميع، فإن د. الترابي هو أكثر الشخصيات تأهيلا للعب هذا الدور . لذا فإن إطلاق سراح د. الترابي الآن، يشكل نقلة بارعة في شطرنج السياسة السودانية، ويمكن ان يصيب اكثر من عصفور و يؤكد مصداقية النظام في دعوته للحريات، ويستجيب لرغبة قواعد الحركة الإسلامية ويسخن الجبهة الداخلية بما يسند الموقف التفاوضي للحكومة .
اسناد موقف الحكومة التفاوضي لا شك هو السبب الأهم، اذ ان النظام بجبهته الداخلية المسخنة والمحاصر باتهامات التفريط والعمالة وما الى ذلك، يمكنه ان يتذرع بعدم مقدرته علي تقديم تنازلات كبيرة، ففي ظل هذه التحديات و وضع سياسي متوتر، يصبح النظام مهددا في وجوده ولذا فإن الشريك الحريص لايمكن ان يجبر شريكه علي الإقدام علي تنازلات تودي بحياته ولا جدوى من الشراكة اذا كانت لا تقدر الظروف المحيطة بالشريك الآخر . لذا فالمنطق يقول ان علي قرنق ومن خلفه المعنيون بالأمر، ألا يضغطوا النظام في اتجاه تقديم تنازلات كبيرة لأن النظام يواجه معارضة شرسة، تعبئ الوطن كله ضده، مما يجعله مكشوفا و قد تؤدي تنازلات غير محسوبة الى إسقاطه .
لا بد أن النظام قد سأل وهمس بخبث في آذان الذين يضغطون من الدول المعنية ما اذا كان يسرهم أن يسقط النظام الحالي ويأتي د. الترابي ورفاقه بديلا عنه؟. بالطبع سوف لن ينتظر النظام الإجابة ولا اظن أن أحداً يشك في الإجابة الصحيحة .وفي رأيي ان المعنيين بالأمر سيحدقون في البديل سواء كان الترابي أو المجهول، ويعيدون النظر كرتين فيكفون أيديهم عن الضغط العالي لأن سقوط النظام تحت ضربات المعارضة الداخلية، لهو اسوا خيار لهم في الوقت الحاضر .
لذا اطلقوا سراح الترابي ، ولكن ثم ماذا بعد ؟ ان ذلك وحده لا يكفي فلا بد من مساعدة «الشيخ» في تسخين الجبهة الداخليةلأقصي درجة ممكنة ومسيطر عليها وذلك يمكن احتماله ما دام القوم في نيفاشا ولاحظوا معي ü افرج عن الشيخ وفتح دار المؤتمر الشعبي واطلق سراح صحيفته راي الشعب، لتبدأ مهمة عاجلة لتسخين الجو ü اعطاء الأمر للأجهزة الإعلامية الرسمية .. نعم الرسمية لتغطية ندوات د. الترابي ولقاءاته العامة، خاصة الإذاعة السودانية التي قامت بالدور كما يجب، فرصدت كل أحاديث الترابي منذ خروجه وحتى ندوة الميدان الشرقي . ü اعطاء الفرصة لدكتور الترابي لمخاطبة الراي العام الداخلي في ندوات جماهيرية حاشدة، ابتدأها بندوة امام منزله ثم الميدان الشرقي لجامعة الخرطوم، تحدث فيهما كما يشاء ضد النظام تحت بصره وفي حراسته ü اتيحت لدكتور الترابي فرصة واسعة لمخاطبة الراي العام العربي والعالمي في بث مباشر مع مختلف القنوات الفضائية المتعددة والإذاعات ، مهاجما النظام وسياساته وشخوصه بأقسى الإتهامات ü الصحف المحلية فعلت ما شاءت في مجال التغطية الإعلامية ولم يأتيها تلفون أو لفت نظر، فغطت أحداث اطلاق سراح الترابي وانشطته بلا رقيب أو حسيب .
وهكذا لم يبخل النظام بالترويج للدكتور الترابي وفتح كل المنافذ وحضر كل (الحطب) لتسخين الأجواء وكلما سخن الجو هنا، كلما أحس النظام بالطراوة هناك في نيفاشا . بدأ الآن الحديث يدور في مجالس الخرطوم حول التهديد الذي يمثله د. الترابي علي النظام ومقدرته علي اسقاطه، وهذا هو المطلوب بالضبط أ ن يشعر الجميع وخاصة المعنيين بالأمر الذين يتابعون الأوضاع في السودان علي مدار الساعة بالتقارير من مختلف الجهات مطلوب ان يشعروا ان هناك تهديدا جدياً على النظام، فالضغوط عليه في نيفاشا بلا شك ستسهم في اضعافه وربما اسقاطه . اذا فالإحتراس واجب وعدم الإسراف في الضغوط علي النظام له اهمية خاصة في مثل هذه الاوقات .
النظام محاصر بخصومه الذين يتهيأون الآن للإنقضاض عليه، ولن يصمد طويلا اذا ما اكره علي تنازلات كبيرة واذا ما سقط النظام ،علي المعنيين ان( يبلو ويشربوا موية الإتفاقيات التي تمت) بجد هذه المرة، ولتبدأ المسبحة تكر من جديد .
لا بد ان يكون النظام قد اوصل هذه الرسالة للمعنيين بالأمر، وفي رأيي ان كل الشواهد تؤكد ان هذا هو السيناريو الذي كان في ذهن النظام وهو يقدم علي اطلاق سراح د. الترابي ، ولا شك ان الحكومة ستسقبل بفرح غامر تحركات المعارضة الحالية في إقامة الندوات والتظاهرات وكل شئ، وكما هو معروف قد اطلقت الحكومة امعانا في تسخين الجو سراح كل الأحزاب وهذا لا يمكن أن يفهم الا في اطار هذا السيناريو، اذ كيف يغدو نظام شمولي بين ليلة وضحاها، نظاما كامل الديمقراطية يطلق السجناء ويفتح دور الأحزاب ويصطحب المعارضة في حواره مع الحركة، ويعطي الأذونات لمهاجمته بلا أدني امتعاض .
شواهد كثير تؤكد صدق ما ذهبنا اليه في تحليلنا لمسببات اطلاق سراح د. الترابي، ولكن السؤال الذي يبقي معلقاً هو كيف تصرف ويتصرف د. الترابي إزا هذا السيناريو الذي صاغته الحكومة، والمطلوب ان يمثل فيه اخطر الأدوار ؟
سنحاول الإجابة علي ذلك لاحقاً .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق