رب زيارة نافع بيدها مفتاح الحلعادل البازفي المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا بالأمس بمنزل السفير البريطاني، السيد وليام باتي بالخرطوم شرق ، رأيت بلير منتعشا في قمة حيويته ، شاهدته يصعد السلالم مهرولا كأنه في بداية العشرينيات وليس الخمسينيات (1953)، حينما شاهدت السيد بلير يمضي مسرعاً وسط الحديقة الواسعة كدت اكذب الأخبار التي افادت بأن السيد بلير قد أجريت له عملية لتنظيم ضربات القلب قبل أربعة ايام فقط من مجيئه الي هنا. لو أن احد السياسيين عندنا اجريت له عملية في القلب لاستغرقه الرقاد شهورا ولكثرت ضبائحه ولتداعت عليه القوي السياسية من كل حدب وصوب شغلة وبلا شغلة .السؤال هو لماذا اختار السيد بلير هذا الوقت بالذات موعدا لزيارته للخرطوم؟ هذا الوقت الذي تحاصره فيه الأوجاع ، وجع القلب ... ووجع دماغ داخل حزبه بسبب مواقف وزير ماليته السيد براون الطامح لرئاسة الوزارة،... وجع خارجي في العراق وآخر اعلامي يحاصره يومياً حول اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، وسط هذه الأوجاع يأتي السيد بلير ليتلمس اوجاع دارفور. قبل كل شئ لا بد ان نشكر السيد بلير علي الزيارة مهما كانت نتائجها .في رأيي ان التوقيت فرضته اجندة سابقة كان السيد بلير مرتبطا بهامنذ وقت بعيد ، معلوم ان مجموعة الثمان قد أبدت رغبتها في احداث تغييرات اساسية في افريقيا . في هذا الإطار، تعقد لجنة خاصة بشؤون افريقيا اجتماعاً ترعاه بريطانيا في اديس ابابا ابتداءا من اليوم يختص برسم سياسات التجارة والمساعدات والديون . بريطانيا التي ستتولي رئاسة مجموعة الدول الثمان الكبري في عام 2005م، كان لا بد لها من أن تشارك بهذه الإجتماعات وعلي اعلي مستوي ، فهذه الإجتماعات ذات اهمية بالغة لأفريقيا ولبريطانيا بحسب انها ستطلع بدور اساسي في حل اعقد المشاكل التي تواجه افريقيا، فبريطانيا دائما تؤكد ان سياستها في القارة تنطلق من مبدأ اخلاقي، اضافة الي ان السيد بلير ظل يصف في افريقيا ، بأنها جرح في ضمير العالم .هذه المرة، لم يأتِ السيد بلير الي افريقيا غازياً، إنما داعما وراعيا وشريكاً ، كان لزاما علي السيد بلير وهو يعبر اجواء القارة لحضور اجتماعات اديس ابابا ان يطل علي جرحها النازف في ضمير العالم (دارفور) ولذا فإن التوقيت ليست له دلالة حاسمة بقدر ما حملت اجندته دلالات سياسية ذات خطر .أهم واخطر ما صرح به السيد بلير خلال مؤتمره الصحفي المذكور، هو تأكيده علي ان اكمال نيفاشا يشكل عاملا حاسما لحل جميع قضايا السودان . خطورة هذا التصريح لانه يأتي في سياق قريب من فكرة المجتمع الدولي الذي تحول خطابه الي الربط المباشر بين مسار المفاوضات في نيفاشا وما يجري في دارفور، معطيا اولوية قصوي لاستكمال نيفاشا .هذا السياق، هو ضد المنطق الذي كانت الحكومة تسوقه. كانت الحكومة تقول انها مشغولة بمشكلة دارفور ولا يمكنها اكمال نيفاشا قبل انهاء ازمة دارفور. هذا بالطبع كان عكس موقف الحركة تماما، فالحركة دعت لان تكون نيفاشا هي الطريق لحل ازمة دارفور . يبدو ان الحركة وعقب جولات د. جون قرنق في واشنطون افلحت في جر العالم واقناعه بأن مفتاح الحل بيد نيفاشا، فتصريحات كوفي عنان امس الأول التي قال فيها ( هنالك شرطان لحل ازمة دارفور: اكمال نيفاشا وزيادة القوات الافريقية) . أمس الأول ايضا قدم السيد يان برونك، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة تقريراً قاسياً علي الحكومة السودانية متهماًً اياها بأنها لم تفعل شيئا إزاء مطلوبات المجتمع الدولي، ولكن اهم ماجاء في الخطاب (إن المسألة التي يتوجب حلها هي المتعلقة بمحادثات السلام لأن نتيجة محادثات السلام بين الشمال والجنوب، يمكن ان توفر الاساس لحل ازمة دارفور) .في تعليق متضجر علي تقرير السيد برونك، قال السيد الفاتح عروة (ما فهمته انه ينبغي علينا ان ننشئ اتفاقيات جديدة وقوانين جديدة حول كيفية حكم السودان المتنوع )، وهو بالضبط ما يطلبه المجتمع الدولي وما لم تفهمه الحكومة السودانية حتي الآن .لا شك ان حضور السيد بلير للخرطوم وتأكيده علي ما صرح به عنان وممثله، تصعيد للضغوط علي الحكومة التي تحزم حقائبها هذا المساء مغادرة الي نيروبي غداً .في رأيي ان ضغط المجتمع الدولي والسيد بلير علي الحكومة السودانية في هذه اللحظات، من شأنه ان يقود الي نتائج ليست في مصلحة المفاوضات، فإن يذهب طرف مفاوض تحت ضغط عنيف من المجتمع الدولي مقابل طرف اخر يرفع باستمرار سقف مطالبه، قادرا علي اقتناص اي فرصة لابتزاز الحكومة ، فإن ذلك لن يكون عدلاً ولن يكون في مصلحة الاتفاق النهائي .في ذات سياق الضغوط ، كنت قد سألت السيد بلير في المؤتمر الصحافي المذكور، قلت له انكم الآن تطالبون الحكومة بتنفيذ خمسة مطلوبات اساسية لحل ازمة دارفور، وعليها ان تفعل ذلك دون ابطاء فما هي يا تري النقاط المطلوب من جانب المتمردين الالتزام بها ؟. أجاب السيد بلير ان نفس هذه المطلوبات لا بد ان يلتزم بها المتمردون .قائمة مطلوبات السيد بلير المتبقية ليس فيهاجديد، فهي نفس مطلوبات المجتمع الدولي الذي ضمنها قراريه 1556 ــ 1564، الاضافة الجديدة الوحيدة هي اشارته لنقطة مبهمة خاصة بإعادة انتشار الجيش في الاقليم .خلت قائمة السيد بلير من مطلبين كانا دائما من اولويات واشنطون ومجلس الأمن، المطلب الأول الذي لم يذكره بلير مطلقا هو موضوع نزع اسلحة المليشيات سواء كانت اسلحة الجنجويد او اسلحة المتمردين، ولأول مرة لا يتطرق مسؤول اوروبي في حديث رسمي لـ «الجنجويد«، تلك النغمة المفضلة التي تعزف عليها اجهزة الإعلام الأوروبي لشهور خلت . المطلب الثاني الذي خلت منه القائمة هو الحديث عن محاكمة المسؤولين عن احداث دارفور وتقديمهم للعدالة، لم يذكر السيد بلير في قائمة مطلوباته هذين المطلبين مما قد يشير الي ترتيب جديد في الأولويات .قد تكون هنالك اجندة اخري للسيد بلير بحسب تقرير لمجلة النيوز ويك في عددها الصادر في 9 أغسطس 2004م (إن رغبة السيد بلير في دارفور تمضي ابعد من الحقائق علي الأرض ، فقيادة السيد بلير لأزمة دارفور هي فرصته لاستعادة زعامته علي اوربا التي شوهت فيها صورته كرجل دولة بعد ما جري في العراق )، رد علي هذا التقرير محلل سياسي فرنسي حين قال ( ان دارفور لا تعني شيئا في الشارع الأوروبي . الوفد الإعلامي المرافق للسيد بليرـ اكثر من خمسة عشر صحافياـ جعلني اعيد التأمل في تقرير النيوز ويك الذي ترجمته أمس الأول للقراء صحيفة اخبار اليوم الغراء . اضف الي ذلك، ملاحظتي علي حرص السيد بلير للإجتماع بمنظمات الإغاثة البريطانية العاملة في دارفور أكثر من عشر منظمات أشهرها اوكسفام والطفولة البريطانية ومعلوم ان منظمة أوكسفام تتبني اضخم حملة اعلامية لدعم الإغاثة في دارفور) .لقاء السيد بلير بمنظمات الإغاثة وتأكيده على دعمها ، يعطي الزيارة ابعادا انسانية تساعد في تسويق صورة جديدة للسيد بلير .زيارة السيد بلير للخرطوم ربما صعدت الضغوط علي الحكومة وربما وضعت اثقالا علي وفدها المتجه الي نيروبي غداً، ولكنها قد تكون فرصة للحكومة للخروج من المأزق ،خاصة انها اعطت السيد بلير وعداً بالتزامها بقائمة مطلوباته الخمسة التي ستنهي ازمة دارفور لتخرج من نفق مظلم دخلته برجليها .رب زيارة نافعة بيدها مفتاح الحل .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق