هاتفتني ابنتي الصغيرة "أمل" ، ان احدي قنوات التلفزيون قد نوهت الى خبر مفاده ان صدام حسين الآن بيد القوات الأمريكية ، طلبت منها أن تغلق التلفزيون وألا تعود لتستمع لأخبار الموتى مرة أخرى . إحساسي المؤكد حتي هذه اللحظة أن صدام حسين ، حيا أو ميتا نظاما أو حزباً ، أصبح الآن في ذمة التاريخ منذ 9 أبريل / 2003م وإذا ما تم دفن نظام ما وترك رأسه داخل أو خارج الحفرة لا يعني ذلك شيئاً في حقائق الحياة أو حقائق السياسة ، لقد تجاوزت الأحداث حقبة صدام حسين وحقبة البعث كلها في العراق ، ولم تعد إلا ذكرى وعبرة لمن يعتبر .أحزنني ان الإعلام العربي الذي سبق تخديره صدام حسين (إن صح الخبر) بسنوات عديدة ، هذا الإعلام ترك الحقائق الواضحة والعبر المنشودة وظل يطارد الأوهام (صدام تمت خيانته / صدام تم تخديره / ليس هو بصدام) ، والى ما ذلك من هذه المسبحة التي يكر فيها الغافلون .برع القرآن الكريم في حكاية القصص ، وشيد بناءها الدرامي في غاية الروعة وبنى صورها على نحو مبدع ، وجعل في قراءتها متعة لا تنفد،إلا أن هذا البناء الفريد لم يكن للمؤانسة والإمتاع فقط إنما للعبرة أيضاً ، ولكن يبدو أن الناس لا يعتبرون حتي بما يقع تحت ابصارهم تحت أعينهم ولذلك يضطر القرآن في كل حين أن يذكرهم بما رأوه أو بما يذكرونه تماماً ، فرعون أغرقه الله بأمواج البحر القوة القاهرة في ذلك الزمن ، ولقد أغرق سبحانه في هذا العصر أكثر من فرعون بفعل قوة هذا العصر القاهرة ونجَّا بعضهم ببدنهم .
ألم تر كيف فعل ربك بصدام نعم لقد رأينا بأم أعيننا ، وحزنا ودمعت أعيننا ، فصدام لم يكن الا مرآة لذلنا وهواننا على العالم . صدام لم يكن إلا تجسيداً لخيبتنا الكبرى ، عسكريا أو سياسياً او أخلاقياً ، ولكن لماذا حدث ما حدث ؟ لنتأمل هذه الأسئلة :
1 ــ ألم يسم صدام حسين جزءا من شعبه العذاب وأطاعه جزء مقدر منه لأسباب شتى ؟
2 ــ ألم يجعل جزءاً من شعبه في حلبجة كعصف مأكول ؟
3 ــ ألم يكد صدام جيرانه (إيران والكويت) ثم كان كيده في تضليل أورثه خسراناً مبيناً ؟
4 ــ أو لم تتحدث بغداد لسنوات عن حكايات القصور ومن عاث فيها من عاث الفساد ؟
إذا قرأتم هذه الأسئلة تذكروا ما كان يفعل فرعون بأهله ، وماذا كان يفعل أهل عاد ، وماذا فعل أصحاب الفيل ثم أعيدوا قراءة الأسئلة من جديد .
لقد حاول صدام حسين ورفاقه أن يشيدوا نهضة صناعية وتكنولوجية بالعراق ، ولكن لم يكن الله ليرضى ان تبنى النهضة على قاعدة المقابر الجماعية ، ولذلك أتى الله على ما بناه كأن لم يكن .
ما أقوله ليس بغرض التعريض بصدام حسين ونظامه ولا الشماتة فيه ، أنا هنا أسعى لإيجاد العبرة في حقبة من تاريخنا المعاصر لم يكن فيها أبداً خير أمة أخرجت للناس ، إنا غثاء كغثاء السيل لا يبالى بنا أحد إبتداءً من الإسرائيليين والأمريكان حتى أضعف الجيران . لو كنت من زعماء العرب والمسلمين لدعوت لقمة طارئة وعرضت مئات المرات شريط صدام حسين داخل (الحفرة) وخارجها وسألتهم عن العبرة التي توصلوا الىها من هذه المشاهد وأسئلة أخرى لماذا لم يحمِ الشعب العربي صدام ؟ وهو الذي كان في مرحلة ما (بطل العرب) ، لم يكن صدام يستطيع أن يلجأ الى اي دولة عربية وأي عار أكثر من أن تعجز أمة عن حماية بطلها . لماذا لم يحمِ الشعب العراقي صدام .
لم يستطع صدام ان يذهب لشعبه الشيعي في الجنوب كما لم يكن يستطيع ان يذهب لشعبه الكردي في الشمال فغادر الى منطقة اهله وخلصائه في الديرة فخانوه ، فهل من معتبر ؟
أين يا تري أجهزة أمن صدام حسين ذات الىد الطويلة والمقدرات الفائقة، ترى أين هم ؟ لماذا انفضوا من حوله وتركوه وحيداً داخل حفرة ، هل من معتبر ؟
يا ترى أين الحرس الجمهوري ذو العدة والعتاد ، ألم يكن بإمكان عشرين من افراده أن يحموا المزرعة التي بداخلها الحفرة ريثما يتمكن الزعيم ان يغادر المكان ، هل من مدكر .
لماذا لم يستطع صدام حسين ان يهرب أو يختفي ومئات الآلاف من الدولارات تحت تصرفه ، كان باستطاعته ان يستأجر مافيا أو مرتزقة يحمونه أو يهربونه ويهاجرون به الى أرض الله الواسعة أو أن يجدوا له مكاناً داخل الأرض يليق برئيس .
هذه التساؤلات والحكايات لا تجد لها إجابة الا في سيرة الرئيس نفسه ونظامه .
كان بإمكان الأمريكان ببساطة أن يصبوا الاسمنت على فوهة الحفرة وينتهي كل شئ ، ولكنهم قصدوا أن يخرجوها بتلك الصورة حتى (يكسرونا) . ومن منا يا ترى سيثق في بطولة زعيم عربي من نبوخذ نصر حتى صدام حسين ؟ هذه الصورة التي كسرتنا نفسيا ستهز صورة ما يعرف بالبطل العربي في تاريخنا وستهز صورته لدى اولادنا وأحفادنا .
الصورة التي شاهدناها تريد أن تقول لنا شيئا واحداً ، ألم تر كيف فعل الأمريكان بصدام ؟ ! هذه الصورة التي بعث بها الإعلام الغربي والعربي شديدة الذكاء لرسم الصورة الحقيقية لبطولة زائفة طالما ادعاها العرب ، بطل يملأ الدنيا ضجيجا بالشعارات ثم لا تلبث ان تكتشف (أن الأيدلوجيا الإنشائية لم تكن إلا شعارا لتمويه الحقيقة وأداة للتضليل ، ومقولاتها في النهاية كلمات جوفاء خالىة من أي مضمون) ، كما قال سعد الله ونوس بطل لم يكرمنا بالشهادة ليكون حتى رمزاً لخداع اطفالنا .
أيها القراء أيها الرؤساء أنتهى الآن فيلم (الحفرة) وشاهدتم صور الممثلين والأبطال والخونة والسماسرة ومروجي الأوهام ، فهل من معتبر ، أخشى أن يكون قد اصابتنا العبرات ولم نعتبر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق