الأحد، 11 سبتمبر 2011

فــقـــدان ذاكـــرة!

عادل الباز
24/1/2008
حكى لي من أثق فيه أن الدكتور حسن الترابي بعد أن قرر الولوج إلى دهاليز السلطة في نهاية الثمانينيات متحالفاً مع حزب الأمة جمع مكتبه السياسي لتمرير قراره



الذي عزم عليه. ولكن يبدو أن جماعةً في المكتب السياسي للجبهة الإسلامية لم ينوَّروا بشكل كافٍ قُبيل الاجتماع، فظهرت معارضة حادة ضد دخول الحكومة الائتلافية مع حزب الأمة, وكان أبرز الرافضين السيد ابراهيم السنوسي الذي ثار واهتاج في الاجتماع، مُذكِّرا المجتمعين ما كانت أجهزة الجبهة يومها وصحفها تقول عن حزب الامة والصادق وهو مالم يجرؤ مالك قوله في الخمر. وطرح السنوسي سؤالاً على المؤتمرين (بالله نقول للناس شنو؟) فنظر إليه الترابي مليَّاً، وقال (ياشيخ ابراهيم كدي خلِّي الشعب نحن بنقنعو هسّع قولّينا إنت رأيك شنو؟).
بالتأكيد ليس هذا رأي الترابي وحده، فكل السياسيين السودانيين يعتقدون أن الشعب بلا ذاكرة. جرَّبوه فربحوا أكثر من مرة. والآن يمثل النسيان السلاح الاقوى بين يدي المعارضة والحكومة. ولعل في قولهم بعض الحق والدليل أنهم مازالوا في الملعب السياسي لآكثر من نصف قرن .
بالأمس القريب رحل عن الفانية أستاذنا وأستاذ أجيال من قبلنا المؤرِّخ الأشهر محمد سعيد القدّال أنزل الله على قبره شآبيب الرحمة. كان الذين تحلَّقوا حول قبره في ذلك اليوم هم تلامذته وعارفو فضله، وغابت الدولة عن العزاء. لو أن أستاذنا كان من السياسيين (أبَّان حلاقيم) لهبَّت الدولة عن بكرة أبيها لتنعي أحد رموزها كشهيد، ولاسودَّت الصحف بالنُّعاة من كل جنس. ولكن لأن أستاذنا شغل حياته العامرة بالعطاء في التنقيب عن ذاكرة لاتحتفي بها الدولة، كان جزاؤه النسيان والإهمال.
بالأمس القريب كُنّا قد اختتمنا نشر قصة ثورة اكتوبر. ولهذا الكتاب قصة غريبة. منذ حوالي الثلاث سنوات أخطرني استاذي عبد الله علي إبراهيم ردَّ الله غربته قريباً بأنه قد عثر على كتاب عن ثورة اكتوبر لم يره أحد من السودانيين من قبل، واقترح عليَّ تبنِّي نشره في جريدة الصحافة. ولكني لم استطع نشره لأسباب خارجة عن إرادتي. وفي اثناء إعدادي لصحيفة "الأحداث" اتصلت بالدكتور عبد الله لأطلب منه أن يدلَّني على مترجم كتاب اكتوبر. وبالفعل أوصلني الدكتور بالكاتب الرائع والمترجم المبدع أستاذنا بدر الدين الهاشمي، وهو رجل حُرمت الصحافة السودانية من قلمه حينا من الدهر وتشرَّفت "الأحداث" به. مؤلف كتاب اكتوبر هو "كليف تومسون" أحد أستاذة كلية القانون حين اندلعت ثورة اكتوبر، دوّن كليف مذكراته عن ثورة اكتوبر يوماً بيوم، وأرَّخ لِما بعدها، فوفَّر بهذا واحداً من أغنى واثرى الإفادات الحية من شاهد عيان لثورة اكتوبر. حين سألت أحد أستاذة جامعة الخرطوم آنذاك عما فعل كليف، فقال هذا عمل رائع فقلت له ولكن كنتم أكثر من مائة أستاذ في ذلك الحين في الجامعة ولم يأخذ أحدكم قلما وورقة لتسجيل التاريخ. قال لي نحن آنذاك كنا نناضل!!. لا ليس النضال إنما هو غياب الحس بالتاريخ نفسه، ومسئولية إعمار الذاكرة الوطنية بالوقائع الثابتة. الآن لولا انتباهة استاذنا عبد الله علي ابراهيم وحسه التاريخي والسياسي بأهمية أن تطَّلع الأجيال على ماخطة كليف لطوى هذا السِّفْر الرائع النسيان. عجبت الآن من شراذم منخنقة ومتردية في النت تنبح فعل عبد الله التاريخي بلا أدنى حس ولا احترام لما بذله ثائرا ومؤرِّخا ومبدعا وكاتبا مفكرا ومعلما من طراز فريد. عبد الله صنع تاريخا لهذا الوطن عبر كل حياته ومواقفه، والذين يحاولون الآن انتزاع الأفعال من سياقها التاريخي إنما يستهزئون بالتاريخ، ويستخفُّون بذاكرتنا كالسياسين تماما...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق