الأحد، 18 سبتمبر 2011

الإنقاذ تضع أوزارها وتشرح صدرها


ألم نشرح لك صدرك ... هذه الآية المفتاحية في سورة (الإنشراح) ، افتتح بها خطاب الرئيس ، هذه الآية هي الدالة التي على ضوئها يمكن قراءة خطاب الرئيس في المؤتمر العام للمؤتمر الوطني . لقد شرح الله صدر الإنقاذ وهداها الى الحكمة بعد التجربة . أنظر الى خطاب الرئيس الذي تجمل بنصاعة اللغة ودقتها وأناقتها، وأتت على قدر الحاجة لا زيادة فيها ولا إطناب . لقد عبر هذا الخطاب عن نقلة نفسية في مرحلة (إنشراح الصدر) ، فانتقل خطاب الإنقاذ من وعيد وتهديد الى خطاب مشحون بالأمل والتفاؤل، ومن خطاب ماضوي الى خطاب يبشر بالمستقبل ، ومن خطاب يستهدف العواطف الى خطاب يستهدف العقول . أنظر الى السبعة عشر بنداً التي حواها خطاب الرئيس والتي هي مطلوبات السلام وبرنامج المرحلة المقبلة . القارئ لهذه البنود لا بد أن يدرك كيف انشرح صدر الإنقاذ حين ودعت الشمولية الى حيث ( فضاء الحرية والعدالة والمواطنة) ، وكيف انشرح صدرها حين نأت بنفسها عن الإقصاء ، و دعت (الى جبهة وطنية عريضة تعمل على تأمين الوحدة الطوعية)، وغادرت سقم نفسها حين دعت الى (السمو فوق الخلافات والمرارات القديمة) ، مجرد الدعوة لهذه المعاني تبعث الآمال في حياة سياسية معافاة ، وتنقلها الى آفاق جديدة، لعل التجربة تكون قد أورثتها الحكمة . اللغة البديعة والرفيعة التي استخدمت كأداة لروح الخطاب السمحة كشفت ايضا عن دلالات عميقة في مناحي شتى ، مثل الخطاب في نشيده الإفتتاحي دعاية انتخابية مجيدة لحزب المؤتمر الوطني ، فالشعب السوداني الذي هو مدعو في مقبل الايام لحزب المؤتمر الوطني (إنما يساند حزباً أسهم في انجاز عظيم بما كسب من خبرة وتجربة وهو يساند حزباً عركته الأيام وصقلته المعارك واستعصى على المعارك والتفكيك) ، اضف الى ذلك ان هذا الشعب (يدعم برنامجاً يوشك أن يستكمل دعائمه ، ويدعم حزباً بنى شبكة علاقات واسعة وأدار حواراً عالمياً واقليمياً وعربياً) . هكذا بدأ الحزب الحاكم يرسم ملامح صورته الجديدة، جميل هذا الزمان الذي تتجمل فيه الأحزاب للشعب . هذا زمان تتزيا فيه الأحزاب لا بالسلطة ولا بالجاه ، إنما بالبرامج ، هذا زمان كسب ود الشعب ومواددته ، ياله من زمان بديع! ،ولو كنت مسؤولا عن مكتب الإعلام بالمؤتمر الوطني لأخذت مفردات هذا الخطاب وصنعت منها برنامجا إعلامياً ، وطفت بها عطارا أُصلح للإنقاذ ما افسده فيها الدهر والفاسدين و(المتوركين) من ذوي الضمائر الخربة . انتقل الخطاب من حيث المكان المحدود الى فضاء العصر، لغته وثقافاته ومفرداته ، انظر هذه الفقرة : (لقد ادرنا حواراً حضارياً شاملاً ، عبرنا فيه عن ديننا ومبادئنا في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والأمن والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والإرهاب والغلو والتطرف ، كاشفين عن فكر متميز مستنير لا يعرف الإنقلاب ولا التعصب) . مجرد الإقتراب من هذه القضايا يكشف عن آفاق جديدة ترتادها الإنقاذ ، فالحديث بلغة العصر ، ومحاورة قضاياه هي دليل بالغ على ان مرحلة (انشراح الصدر) تحددت ملامحها بصورة أكثر وضوحاً . بعد ان رسم الخطاب ملامح صورة المؤتمر الوطني ، وكشف عن ارتياده آفاق العصر عاد الى الحاضر ليرسم صورة السودان الجديد الذي هو سودان يبنى (على اسس الحرية والعدل والمواطنة الكاملة ، واحترام الأديان والمعتقدات وإشاعة قيمها وأخلاقها الفاضلة) . الصورة التي يرسمها الخطاب للحقبة السياسية المقبلة لها وجهان : الأول ينبني على شراكة سياسية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية خلال الفترة الإنتقالىة . والثاني هو قيام جبهة عريضة لتأمين الوحدة الطوعية وتأسيس ممارسة ديمقراطية راشدة . الشراكة والجبهة الوطنية هما (المدماكان) الأولان في بناء السودان الجديد ، لاشك ان تنزيل هذه المعاني على ارض الواقع يتطلب همة وصبراً ومثابرة إذ أن تعقــيدات الواقع لا يمكن مقارنتها بسهولة التنظير . يطلق الخطاب حزمة من الوعود أبرزها وعد بتنمية المناطق المتأثرة بالحرب ، ووعد بتعزيز دور القوات المسلحة ، ووعد بتأكيد قومية الخدمة المدنية ، ووعد آخر باعتماد سياسة خارجية متوازنة ، وينحي البيان منحى تحريضياً لقوى المجتمع الحية ، للعب دورها المهم في المرحلة المقبلة . يتجه الخطاب الى المستقبل بإشارة ذكية حين يربط بين السلام والاستثمار فيدعو (لتأسيس استثمارات كبيرة ومتنوعة تساعد في تعزيز السلام)، فلا شك أن هذه رسالة الى العالم الذي ظل يؤكد بإستمرار دعمه لعملية السلام . تأكيد الخطاب على اعداد مشروع استثماري كبير يتجه نحو الجميع ، يُشير الى ان الطريقة التقليدية التي تتعامل بها الدول الكبري والمنظمات مع دول العالم الثالث ليست بذات نفع ، فالتعامل مع هذه الدول على أنها مجموعة من (الشحادين) يستحقون الشفقة والدعم لن يصنع دولاً قادرة على النهوض والإعتماد على ذاتها ، في حالة السودان فإن الاستثمارات الكبرى هي التي ستعمل على استدامة السلام ، بل ويمكنها ان تساهم في صناعة الوحدة اذا ما استخدمت بوعي شمالاً وجنوباً .
هكذا يشرح الله صدر الإنقاذ ويضع عنها أوزارها ويبدلها عسر الحرب بيسر السلام .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق