فاجأني احد القراء بالامس حين سألني عن ما اهدف إليه من مقالاتي بعد هذه اللفة الطويلة قائلا: (اذا ما كنت تريد ان تصل بنا إلى ان امريكا ستخاف بسبب ما تقوم به الدولة من تعبئة عامة، فاتمنى ان تلتحق بالمتظاهرين وتتركنا وشأننا). قلت له: يا اخي هذا ما لم اقصده اطلاقا، ذلك لانني اعرف ان امريكا لا تخاف حتى من الله، لا شك انها لا تخاف ولا تختشي !.
كل ما اهدف إليه هو ان فكرة التدخل العسكري الوشيك الرائجة هذه الايام، ليست صحيحة وبدأت بتوضيح استراتيجات الادارة الاميريكية ونظرتها إلى القارة الافريقية وطرائق تعاملها مع افريقيا، منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن وهي طرائق ابعد ما تكون عن استخدام القوة العسكرية ولاسباب شتى.
في المقال السابق اوضحت اهمية غرب افريقيا كمصدر رئيسي للطاقة للولايات المتحدة وللغرب عموما، وقلت ان الولايات المتحدة تستورد من افريقيا «20%» من احتياجاتها وتستثمر «40» بليون دولار في منطقة غرب افريقيا وهي المنطقة المحاددة لمنطقة الصراع الحالي في دارفور، وقلت ان النفط هو المحدد الاول لاستراتيجية الولايات المتحدة تجاه افريقيا حاليا، المحدد الثاني هو الارهاب وهو ما نحن بصدده اليوم.
في تصريح للرئيس الاميركي جورج بوش تعليقا على ازمة دارفور، بالامس قال: «ان التاريخ الحديث اظهر ان التهديدات علي بلادنا يمكن ان تأتي من الدول المتداعية البعيدة، وبالتحرك مبكرا لانهاء الازمة يمكن ان نجعل العالم اكثر امانا».
هكذا تعلم الاميركان من تجربة افغانستان، وادركوا انه اذا ما سادت الفوضى في جزء من العالم، فلن تأمن بقية اطرافه على نفسها، علي هذا الاساس بُنيت استراتيجية محاربة الارهاب في سبتمبر 2002م.
لقد جربت امريكا وتدخلت عسكريا في افريقيا، حين ارسلت «28» ألف جندي إلى الصومال في عام 1994 كاكبر عمل عسكري قامت به امريكا في افريقيا علي الاطلاق ، كلف هذا العمل «2» مليار دولار واستغرق خمسة عشر شهرا.
تجربة ثانية دخلتها اميركا في رواندا ولم تكن ناجحة، واخيرا خاضت امريكا تجربة في سيراليون غيّرت فيها «استايل» اللعب، واشتغلت بآليات جديدة لاحداث التغيير هناك ونجحت، وربما ستوضع طريقة اللعب هذه لتكون النموذج للتدخل في افريقيا. ويمكن ان يتم اللجوء إلىها في دارفور، وقد بدأت الخطى تسير في الاتجاه ذاته- غدا سأفصل نموذج التدخل الاميركي في سيراليون.
لم تنسحب امريكا من الصومال لان مجموعة من القبائل قد هددتها او أذلت جنودها ليس هذا تماما، السبب الرئيسي للانسحاب الاميركي هو خوفها من امتدادات الحرب وتوسعها في منطقة شرق افريقيا ، التي تتألف من عناصر متداخلة اثنيا وعرقيا، مما يهدد باندياح الصراع ليصبح صراعا عابرا للحدود، ولذلك رأت امريكا ان الانسحاب من الصومال يجنب المنطقة حربا شاملة، هذه التجربة اكسبت امريكا خبرة في تعاملها مع الدول المتداعية او الفاشلة في افريقيا، فالتدخل العسكري في هذه الدول لن يفعل اكثر من إلهاب كل المنطقة، هذا هو بالضبط ما تخشاه امريكا من اشتعال منطقة كمنطقة غرب افريقيا، منطقة تحيط بها الدول الفاشلة وتسبح في بحيرة نفط، اشتعالها لن يؤدي إلى تهديد امدادات النفط فقط، بل ستصبح هذه المنطقة ملاذا جديدا للارهابيين هناك.
حين التقى الزعيم القذافي بوفد المخابرات المصرية والسودانية في اواخر الشهر الماضي بطرابلس، اشار إليهم ان امريكا ستجازف اذا تدخلت عسكريا في هذه المنطقة بجعلها ملجأ للارهابيين ، وستصبح المنطقة من شمال افريقيا إلى غربها منطقة خطرة، وهذا في رأيي تحليل صحيح ، وهو ذات القول الذي اكده الرئيس بوش حينما قال انه اذا اشتد الضغط علي الارهابيين في آسيا سيبحثون عن مكان آمن في افريقيا، فالمكان الذي تسوده الفوضى هو انسب الاماكن للارهاب، حيث ينمو ويزدهر في هذه البيئات كما دلت تجربة افغانستان، وقد تعلمت اميركا ان الارهاب لا يفنى ولا يستحدث من عدم.
اميركا تدرك ان اشعال حرب في غرب افريقيا يعني جر المنطقة كلها إلى حروب لا تنتهي، وللقبائل العربية والافريقية وكل الاثنيات المتصارعة هناك امتداداتها في كل دول المنطقة وكذلك عصابات النهب المسلح والعسكريين الطامعين في السلطة الذين يشحذون اسلحتهم هناك، والمتمردين من الدول المختلفة، مضافا إلى الصراعات الدولية في الاقليم، وكل ذلك يمكن ان يجعل الحرب في كل منطقة غرب افريقيا حربا عابرة للحدود، وهكذا يمكن ان تلتهب المنطقة بكاملها، هنالك خريطة اثنية لمنطقة غرب افريقيا نشرتها مجموعة الازمات الدولية، لا بد ان امريكا ستقرأها جيدا قبل ان تفكر في اشعال تلك المنطقة.
استراتيجية محاربة الارهاب خلطت بالنفط في غرب افريقيا، ولكي تنجح هذه الخلطة احتاجت إلى متطلبات امنية كثيرة تزمع الولايات المتحدة القيام بها ابتداء من محاربة الفساد والحكم الراشد والاصلاح الاقتصادي وترتيبات عسكرية سنعرض لها لاحقاً وغيرها.
اوضح التقرير الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية يوليو 2004م بعنوان: «أمن النفط العالمي»، ان الارهاب كخطر ماثل تواجهه منطقة غرب افريقيا، واشار إلى انه في عام 2003م بعد ان فجرت القاعدة «تانكر» البترول الفرنسي في اليمن، اعلن اسامة بن لادن ان نيجيريا هي الهدف التالي، وقال التقرير، ذات التهديد والمخاطر تواجه دول خليج غينيا، وهي الدول التي تعتمدها الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للنفط لها من غرب افريقيا بعد نيجيريا. كما تواجه دول اخرى انقلابات متعددة المصادر لن يكون انقلاب «ساو تومه» آخرها، فاذا ما اضافت امريكا لهذه المهددات الامنية في المنطقة تدخلا عسكريا غير محدود المخاطر، ستصبح هذه المنطقة منتجا اساسيا للارهاب لا للنفط. فتنسف بذلك محددات الاستراتيجية الاميريكية في المنطقة تماما.
صحيح ان امريكا تعيد ارتكاب حماقاتها بشكل مذهل، ولكن لم يثبت التاريخ لاميركا انها ارتكبت ثلاث حماقات متماثلة في آن واحد، اذن ماذا ستفعل امريكا لترتيب اوضاع غرب افريقيا، وكيف ستتعامل مع مشكلة دارفور ضمن هذا الإطار؟.غدا سنواصل
0 التعليقات:
إرسال تعليق