بما ان الحكومة تصنف الصحافة كعدو على طول الخط فمن الطبيعي ان تشغل هذا العدو بقضاياه تحت شعار (اشغل اعدائي بانفسهم) ، ولذلك تجدني شديد الاعجاب بذكاء الاخوة في الاجهزة المختصة ، الذين سربوا هذا القانون ، وشغلوا الوسط الصحافي بمكافحته واضاعة وقت ثمين في مناقشة قانون بالغ السوء. يدرك ذلك الذين صاغوا القانون والذين سربوه . المطلوب ان تنصرف الصحافة بعيدا عن ما يجري في دارفور ، وبعيدا عن تعقيدات نيفاشا ، فاذا ما تركت الصحف (السائبة) تركز على تلك القضايا فضررها اكثر من نفعها ، فلا بد من شغلها بشئ ما حتي يكفي الله المتفاوضين في نيفاشا وانجمينا شر الصحف التي تلخبط خط الحكومة وتوازناتها ، او كما قال .الذين صاغوا هذا القانون وسربوه يدركون ان المولود الذي سيخرج من نيفاشا الى الدنيا سيهتز له عرش السلطة وعرش الاقتصاد وعرش القانون ، بل ستهتز البلاد من ادناها الى اقصاها . وأول ما سيطاح به هو الدستور نفسه، وبناء علىه ستتم الاطاحة بقوانين سارية ، ستفقد سندها الدستوري ، والحال كذلك يا تري أية فائدة سيجنيها واضعو قانون الصحافة لسنة 2004م حين يستبقون تغييرات وشيكة ، طالما اشار الىها استاذنا محجوب محمد صالح . في ظني ان المستهدف من هذا القانون شئ اخر لا علاقة له باقرار قانون جديد للصحافة لا يلبث ان يذهب هباء ً منثورا ً.
صرف الصحفيين عن قضايا حقيقية هو الهدف ، وها نحن نستجيب لرغبة الحكومة في الانصراف عن تعقيدات نيفاشا وازمة دارفور ، ونخوض مع الخائضين في مناقشة القانون ، فقط نود ان نذكرها باننا (فاهمين الخطة) 2 ـ 4 ـ 2 . المسماة خطة الانصراف واضاعة الوقت .
في منبر الصحافة ، الذي تم عقده امس الاول الخميس، تناول الصحفيون القانون الجديد ، واثبتوا انه ضد الدستور وضد حقوق الانسان وضد مسيرة الانقاذ نفسها في تعاملها مع الصحافة، اضفت الى ذلك في مداخلتي في الندوة ان هذا القانون ايضا ضد الدين ، وبما ان هذا القانون لم يصيغه الحزب الشيوعي السوداني فانه بالضرورة يكون واضعوه ذي علاقة بالدين الاسلامي تحديداً .
في الدين لا تزر وازرة وزر اخري ، في القانون المادة 29 هـ ، كل شخص شارك في التحرير او النشر او التوزيع ، يعني ذلك ان صاحب المطبعة او شركة التوزيع اذا ما طبعت او وزعت خبرا او مقالا فيه مبالغة او اثارة او تحامل (لاحظ ان اي شخص او حكومة لا يعجبها خبر او مقال يمكن ان تتدعي ان هذا المقال متحامل او مبالغ فيه او مثير ، فعندما تكون الالفاظ مطاطة يسهل استخدامها بالتجريم) ، اذا ما فعل ذلك الموزع او الكاتب او الناشر فانه يقع تحت طائلة هذا القانون، فالقانون يأخذ موزعي الصحف بجريمة لا يعلمون عنها شيئا ، والناشر ايضا ، وكل المشاركين الذين لا علاقة لهم بالموضوع ، هذا القانون يعمل ضد النص القرآني «لا تزر وازرة وزر اخرى» .
في الدين يعاقب الله سبحانه وتعالى المرء على إثمه مرة واحدة ، في هذا القانون يُعاقب المرء على خطأ مقصود او غير مقصود خمس مرات، الاولي يمكن بهذا القانون ان تشطب من سجل الصحفيين ، وبذات الجرم يمكن ايقاف الصحيفة بما تراه المحكمة مناسباً، كما في ذات العقوبة يمكن الغاء الترخيص ، كما يمكن ان تدفع غرامة لا تقل مائة الف دينار ، وبموجب هذا القانون يمكن ان تحاكم ايضا بعقوبة السجن ، وكل هذا يمكن تطبيقه في خطأ واحد ارتكبته الصحيفة . في أية شريعة و أي دين يحاسب المرء على خطأ خمس مرات؟ ، فكيف يا تري منح واضعو هذا القانون لانفسهم حقا امتنع الله سبحانه وتعالى ان يعطيه لذاته جلا وعلا .
لم يقتنع السادة واضعو هذا القانون بهذه العقوبات مجتمعة ، وخشوا ان تتباطأ المحاكم في انفاذها فاعتبروا في المادة 28 / 2 من القانون (تعتبر كل القضايا المتعلقة بالصحافة والنشر الصحفي مستعجلة ، ويجوز ان تنظر ايجازيا بغض النظر عن القيمة او اي سبب اخر) ، هكذا يمكن ان تجد نفسك تواجه احكاماً تقضي بخمس عقوبات وبصورة ايجازية ، يعني باقصي سرعة ممكنة ، بغض النظر عن العدالة التي لا يمكن ان تتوفر في ظل هذه العجلة .
هذا القانون يعمل ضد نص قرآني صريح (يا أيها الذين آمنوا لا يجرمنكم شنأن قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى) صدق الله العظيم .
الدين نزّاع للعدالة ، هذا القانون نزع الى الظلم الذي حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه ، ولذلك يعمل هذا القانون ضد اصل من اصول الدين وهو العدل .
ينص هذا القانون في البند 25 / 2 (ان تودع المؤسسات الصحفية مبلغاً لا يقل عن خمسين مليون دينار) ، هذا البند يجعل الصحافة دولة بين الاغنياء حتى ان كانوا لا علاقة لهم بالقراءة ، ويسفه احلام صحفيين اذكياء يملكون الطموح لا المال ، فهذا القانون يقر باحتكار الصحافة لطبقة رجال الاعمال ، وفي الدين(المحتكر خاطئ) فيا تري هل ينهي الدين احتكار الصلصة ويرخص احتكار الصحافة ، اذا كان هنالك دين يجيز لواضعي هذا القانون تضمينه كل هذه الموبقات فبالطبع ليس هذا هو الدين الاسلامي ، انما هو دين اخر لا علاقة له بالاسلام ، حتي يتضح على اي هدى وكتاب منير استند واضعو هذا القانون .. نقرأ «لكم دينكم ولي دين» .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق