الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

مأزق حفظ السلام


29/9/2007

الخبر الذى أوردته صحيفة الصحافة الغرّاء يوم الخميس الماضي بتشكيل جهاز على مستوى عالٍ خاص بعمليات حفظ السلام فى السودان يمثل خطوة مهمة في علاقات السودا ن مع الأمم المتحدة والعالم. وهى خطوة جيدة ينبغي الاسراع بتنفيذها، خاصة وان الملفات التى تختص بعمليات السلام الآن تتوزع على أكثر من خمس وزارت تتداخل اختصاصتها مما يسبب الكثير من الإرباك لعمل الوزارات ولعمل بعثات حفظ السلام فى الجنوب والغرب.
بتأسيس هذا الجهاز يمكن ان تتأسس العلاقات مع الامم المتحدة خلال قناة واحدة وفاعلة تملك الصلاحيات اللازمة للتعامل مع احتياجات الأزمة العاجلة لهذه البعثات. خريطة التواجد الأممي فى البلاد توضح الحاجة الملحة لإنشاء هذا الجهاز بسرعة فائقة. البعثة الأممية فى السودان تعتبر الاكبر حجماً بين بعثات الامم فى العالم من ناحية الحضور العسكري الحالي وماهو متوقع فى المستقبل القريب بعد وصول القوات الهجين. أضف الى ذلك جيوش الموظفين الدوليين من اداريين ومهندسين وخبراء وغيرهم سيصلون البلاد. يقارب هذا الرقم الخمسين ألف شخص. لهذه الجيوش العسكرية والادارية احتياجاتها ابتداءاً من تأسيس البنيات الاساسية لاستخداماتها المتنوعة ولمقارها ولحاجياتها الاستهلاكية المستمرة. كل هذا او أغلبه سيستورد من خارج البلاد. ما يحدث الآن فى التعامل مع بعثات الامم يمكن ان يقود الى كارثة. هذه البعثات مضطرة الآن للتعامل مع عشرات المكاتب والوزارات لتسهيل أعمالها. فمثلاً تحتاج البعثة الاممية الآن للتعامل مع الحكومة عبر ثلاثة منافذ. يتم الاتفاق السياسي بين الخارجية والقصر ثم يذهب التنفيذ للجهات المختصة وما أدرك ما الجهات المختصة!!. لجهاز الأمن تقديرات، وللخارجية رأى، وللجهاز الموازي للخارجية بالقصر رأى آخر، ثم للمواصفات اكثر من رأي، دع عنك الجمارك وادارات المنظمات فى الشؤون الانسانية وهلم جرا. هذه امبراطوريات لا شأن لها بأية اتفاق سياسي فهى قادرة على اخضاع أي اتفاق لقوانينها الخاصة وأمزجة قادتها. كم من مرة اتفقت الحكومة مع منظمات وجهات خارجية فمدت لها الاجهزة المختصة لسانها هازئة بأي اتفاق. كم من مرة تراجعت الحكومة واعتذرت للامم المتحدة بسبب الموظفين فى الاجهزة المختصة؟. لاشك انكم تذكرون قضية الاغذية الملوثة ثم قضية السفارة الامريكية وغيرها.
الآن تعقدت الامور بحيث لايمكن تركها لامزجة قادة الاجهزة المختصة. بحسب وزير الدولة السماني الوسيلة، فهناك 1800 حاوية وصلت البلاد مستبقة القوات الهجين وهذا أول الغيث. هنالك الآلاف من الجنود سيهبطون فى المطارات والمدن المختلفة، هنالك أسلحة وطائرات ودبابات سيبدأ وصولها قبل بداية هذا العام عبر منافذ ومداخل شتّى وليس فى خبرة هذه الاجهزة المختصة ما يتيح لها التعامل مع هذه المستجدات.
لهذا فان قيام جهاز موحد مختص برئاسة الاستاذ على عثمان من شأنه ان ينهي فوضى تداخل الاختصاصات ويتيح تعاملاً مسؤولاً لتنفيذ الالتزامات الدولية الشيئ الذى من شأنه ان يجعل عمليات حفظ السلام تمضي بيسر بعيداً عن التوترات المعتادة التى ظلت تحدث بين المجتمع الدولي وأطراف أجهزة الدولة المختصة المختلفة. من المهم ان يشمل هذا الجهاز وكما هو مقترح النافذين فى الاجهزة ذات الصلة وليس الموظفين الى جانب الفنيين القادرين على اتخاذ القرارت الصعبة فى التوقيت المناسب. قيام هذا الجهاز بقرار جمهوري من شأنه ان يوفر له نفوذاً سياسياً وقوة معنوية، كما ان تعيين الاستاذ على عثمان من شأنه ان يوفر له الفعالية اللازمة والاحترام من المجتمع الدولي والبعثات ذات الصلة.
المهم ايضاً ان توحد البعثات الاممية والاقليمة فى السودان سياساتها وطرائق تعاملها فى السودان. فالمطلوب فى كل لحظة ان تتعامل باحترام مع سيادة البلاد وقوانينها وذلك لإنجاح مهامهما بدلاً من الدخول فى صراع مستمر مع السلطات لن يؤدي فى النهاية إلا الى تعطيل أعمالها. هنالك ثلاث بعثات معنية بهذا الامر بشكل اساسي وهى بعثة حفظ السلام فى الجنوب وبعثة الاتحاد الافريقى والبعثة الاممية الخاصة بدارفور. المطلوب من هذه البعثات توفيق اوضاعها بحيث لاتتقاطع مهامها هى نفسها فى ادارة العمليات المختلفة الموكلة لها. لقد بدأ منذ الآن الاختلاف فى هوية القوات بين الاتحاد الافريقى والمجتمع الدولي فاذا ما استمر هذا الخلاف حول القيادة والسيطرة والاختصاصات الاخرى بعد وصول القوات الهجين لدارفور ستنشب فوضى لاحد لها فى اداراة هذه القوات مما يهدد العملية برمتها. حفظ السلام يحتاج لرؤية موحدة وسياسة متفق عليها بين الحكومة ومكونات المجتمع الدولي المشارك فى ادارة العمليات، وتحتاج مثل هذه العمليات لإرادة ورغبة فى انجاحها متوفرة لدى الاطراف المختلفة وبغير ذلك ستفشل عمليات حفظ السلام كما فشلت حتى الآن فى ثلاث دول افريقية.
<>

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق