عادل البازكيف سترتب امريكا اوضاع اقليم غرب افريقيا المضطربة، والتي لم تعد امريكا تحتمل اي مخاطر يمكن ان تهدده، ثم كيف ستتعامل مع قضية دارفور في هذا الاطار؟. انتهينا بهذه التساؤلات في المقال السابق واوضحنا المخاطر التي ستنشأ جراء اي تدخل عسكري في حزام الدول المتداعية كما سماها الرئيس جورج بوش.بدا واضحا للمراقبين انه ومنذ عام 1995م، في اعقاب الانسحاب الاميركي من الصومال بدأت تغيرات شتى تطرأ على السياسة الاميريكية في ما يخص التدخل العسكري في القارة الافريقية، تغير التكتيك وتم الحفاظ على ذات الاهداف .. تأمين النفط ومحاربة الارهاب. سأستعرض هنا ورقة نشرتها صحيفة «الليموند دبلوماتيك» الفرنسية الشهيرة في عددها الصادر في يونيو الماضي، الورقة بعنوان «واشنطن تعيد نشر قواتها في افريقيا» كتبها المحلل العسكري بيار ابرامو فيش، استعرضت الورقة الآليات التي استحدثتها الولايات المتحدة لتتدخل عسكريا في ازمات القارة الافريقية «في عام 1996 اطلقت واشنطن فكرة تأسيس قوة عسكرية للاستجابة للازمات الافريقية.«ازمة دارفور» سميت «المبادرة الافريقية» مع ان هذه المبادرة صناعة وزارة الخارجية الاميركية، إلا ان القيادة الاوروبية بالجيش الاميركي هي التي تنسق عملياتها. ابتدعت القيادة الاوربية بهذه المبادرة آليات للتعامل مع الازمات بعيدا عن الجيوش النظامية للدول الافريقية. في هذا الاطار تم توظيف شركات خاصة مثل «لوجيكون» من مجموعة «نورث قورب» وشركة «العسكريين المحترفين». هذه الشركة متخصصة في الاستشارات الامنية وعلى رأسها جنرالات يعملون لصالح جميع الحكومات في العالم. بدأت هذه الشركة بالتجهيز الفعلي للقوات الخاصة للتدخل في النزاعات الافريقية.وضمن المبادرة الافريقية، اتخذت آلية اخرى لتأهيل بعض الدول الافريقية للقيام ببعض المهام العسكرية المطلوبة في الاقليم، وفي يوليو ومايو عام 2002 عمدت المبادرة الافريقية إلى تنظيم وتدريب وحدات من الجيشين اليوغندي والغاني، وتم تزويد هذه الجيوش بمعدات اتصال واجهزة متقدمة. بلغت ميزانية هذا البرنامج 30 مليون دولار موزعة على عامي 2001م و 2002م.في اعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ضاعفت الولايات المتحدة من اهتمامها بامن افريقيا وخاصة بعد ان اعلن الرئيس بوش خلال جولته الافريقية في يوليو 2003م، «لن ندع الارهابيين يهددون الشعوب الافريقية او استخدام افريقيا قاعدة لتهديد العالم». بناء عليه، حولت المبادرة الافريقية إلى برنامج عملي سمته «اكوتا» او برنامج «المساعدة على التدريب العملياتي». تأسس برنامج «اكوتا» على عناصر محددة تتألف من قوات افريقية خاصة مهمتها: اولا حفظ السلام، وثانيا تقديم المعونات الانسانية «حالة دارفور». «في تصوري ان هذا البرنامج هو الذي سيشتغل تحت مظلة الاتحاد الافريقي لمعالجة ازمة دارفور» لقد تم افتتاح مركز اكوتا للتدريب العسكري في عام 25 نوفمبر 2003م بنيجيريا في العاصمة ابوجا.بجانب برنامج اكوتا، هناك برنامج آخر يعمل تحت مسمى «حفظ السلام الاقليمي» وقد بلغت ميزانيته 2001م إلى 2003م ما يقارب «100» مليون دولار، شاركت فيه «44» دولة افريقية. كل هذه البرامج مصصمة للتدخل في النزاعات الافريقية وقواتها جاهزة ومشوّنة قواعدها في نيجيريا وغانا.تحت عنوان «التعاون العسكري للمكافحة الشاملة للارهاب» وخاصة في دول غرب افريقيا، انعقد في مارس 2004م اجتماع شارك فيه رؤساء واركان الجيش في ثماني دول افريقية منها: تشاد، النيجير، السنغال، مورتانيا، المغرب، الجزائرو تونس. جرت هذه الاجتماعات السرية بقيادة الجيش الاميركي في اوروبا في مدينة شتوتغارت، وانتهت باشتراك اربع دول في عمليات بالجزائر ضد الارهابيين هناك، إلى هنا انتهى استعراضنا لورقة «الليموند دبلوماتيك».بقراءة هذه الورقة، تكون استراتيجية التدخل في افريقيا قد اتضحت تماما وتم تجريبها اثناء انقلاب ساوتومة، حيث كانت مجموعة القوات الخاصة الافريقية جاهزة للنزول في الارخبيل تحسبا لصراع دام كان مقدرا له ان يجري هناك، فحطت القوات لحماية المنطقة من الاشتعال خاصة وان امريكا تستثمر هناك «500» مليون دولار.على اية حال، هذه هي الطريقة التي اتبعتها اميركا لترتيب اوضاعها الامنية في القارة، والآن كيف ستتعامل امريكا مع ازمة دارفور وما هي رؤيتها للتدخل العسكري؟.استبعد باول في زيارته الاخيرة لدارفور فكرة التدخل العسكري ونأت الادارة الاميركية بنفسها عن مواقف الكونجرس المتطرفة التي تحاول وصف ما جرى في دارفور بأنه ابادة، مما يمكن ان يجرها إلى تدخل عسكري عاجل اذا ما تبنت هذا الوصف. الادارة الاميريكية التي تتأثر الآن بمؤثرين لهما دور كبير في الانتخابات القادمة: هما الكتلة السوداء التي تمثل مجموع «30» مليون ناخب وتطالب هذه الكتلة بقيادة زعيمها دونالد بن في الكونجرس بالتدخل العسكري في دارفور، وكذلك تطالب الكنيسة الانجليكانية، وهي القاعدة الاساسية الانتخابية للرئيس بوش، تطالب بالاسراع في التدخل العسكري، ولهذا فقط ستلجأ الولايات المتحدة لاستخدام المؤسسات الدولية والتهديد باستخدام القوة العسكرية دون استخدامها فعليا، وسيكون منطقها انها تحقق ذات اهداف التدخل العسكري باستخدام آليات جديدة في التعامل مع ازمات الدول المتداعية.في نشرة وزعها المركز الصحافي في واشنطن يوم الثلاثاء 27 يوليو 2004، رسم شارلز اسنايدر نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي للشؤون الافريقية ومسؤول ملف السلام في السودان والسياسي النافذ في الادارة الاميركية، رسم خارطة للطريقة التي ستتعامل بها امريكا مع السودان لمعالجة ازمة دارفور كالآتي: يقول اسنايدر «في ما يخص الحلول الاقليمية هذا بالضبط ما ندعمه من خلال الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للاتحاد الافريقي في وقف اطلاق النار، وكذلك فإن الخطوات المفضلة لنا للحل: «ان تفعل الحكومة الاشياء الصحيحة وان لم تفعل الحكومة سنطلب من المؤسسات الاقليمية ان تفعل وخاصة الاتحاد الافريقي، واذا لم ينجح فسنبحث عن جهة اخرى لتفعل». ذات الموقف اوصى به مركز الازمات الدولية في آخر اصداراته عن دارفور في نهاية الشهر الماضي حيث قال: «آخر ما يمكن فعله في دارفور هو ارسال قوات لحماية الاهداف الضرورية» اكد ذات المعنى جون براندر قاست مستشار المركز حين صرح لصحيفة «الخليج» الاماراتية «الولايات المتحدة لا تنوي التدخل عسكريا في دارفور».اوردت «النيوز ويك» في عددها الصادر في 10 اغسطس الحالي 2004، تصريح مسؤول بريطاني عسكري رفيع «نظرا لالتزامات بريطانيا في العراق وافغانستان، فإن مسألة ارسال جنود إلى دارفور لن تكون سهلة واضاف «لا يمكنك بأي شكل ان تذهب إلى هناك وتخرج في غضون ستة اشهر، في الوقت الراهن فإن بريطانيا شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة وشركائها الاوروبيين، تركز جهودها على المساعي الدبلوماسية وفي حال هنالك حاجة إلى ارسال قوات فإنها على الاغلب ستكون قوات افريقية تعمل تحت مظلة الاتحاد الافريقي».في قرار مجلس الامن «1556» الصادر في 30 يوليو الماضي، رحب المجلس بالدور الريادي الذي يقوم به الاتحاد الافريقي ونص البند «16» على الآتي: «يعرب مجلس الامن عن تأييده الكامل للجنة وقف اطلاق النار وبعثة الرصد التابعين للاتحاد الافريقي، ويطلب من الامين العام ان يقدم المساعدة إلى الاتحاد الافريقي في مجالات التخطيط واجراء التقييمات المتعلقة ببعثته في دارفور، وان يجري الاستعدادات اللازمة وفقا للبيان المشترك من اجل تنفيذ اي اتفاق مستقبلي في دارفور بالتعاون الوثيق مع الاتحاد الافريقي». بعد اسبوع من صدور هذا القرار، بعث الامين العام كوفي عنان مبعوثا إلى اديس ابابا لمعرفة حجم الدعم المالي والفني والعسكري الذي يحتاجه الاتحاد لتنفيذ مهامه في دارفور».هكذا ترشح الولايات المتحدة وبريطانيا ومجلس الامن الاتحاد الافريقي ليلعب دورا جوهريا في معالجة ازمة دارفور. القوات الامريكية التي دربتها امريكا في مجلس السلام الاميركي وعبر برامجها المتعددة جاهزة في الاقليم وتتمركز خاصة في انغولا ونيجريا وغانا، وهي ذات القوات التي جرى استخدامها في ليبيريا وسيراليون كقوات حفظ سلام تحت لافتة الامم المتحدة، وهي ذات القوات التي يجري حشدها الآن لارسالها إلى دارفور تحت لافتة الاتحاد الافريقي هذه المرة وباسم قوات حفظ السلام والمراقبة. وفي رأيي ان هذا حل وسط، ستوافق عليه الحكومة وسيلجم مجلس الامن عن اتخاذ اي قرارات اخرى، وسيجعل بوش وبلير يتنفسان الصعداء ، خاصة حينما تصور عدسات التلفزيونات الاوربية الجنود الافارقة وهم ينتشرون في دارفور في لقطات درامية وخلفهم بعض قوات المراقبة الاوروبية، وسوف لن تفعل هذه القوات شيئا سوى ان تظهر على شاشات التلفزيون لتطمئن العالم بأن دارفور الآن خالية من الجنجويد كما تخلو العراق من اسلحة الدمار الشامل. حينها، ستنتهي اكذوبة التدخل العسكري تحت كافة المسميات وتعود فيالق الجنود الافارقة من جديد إلى مقارها لتؤدي وظيفتها الاساسية في حماية آبار النفط ومحاربة الارهاب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق