عادل البازيبدو أن الحكومة قد أخذت نفسا عميقا وهي تستمع لتقرير السيد يان برونك ممثل الامين العام للامم المتحدة في السودان، وربما ارتخت اعصابها التي ظلت مشدودة ومتوترة طيلة الشهر الماضي، إلا انه يجدر بها ان ننبهها إلى مسألتين رئيسيتين: الاولى جاءت في تقرير السيد برونك، والثانية في التقرير الذي قدمه السيد كوفي عنان لمجلس الامن، وذلك يقرأ مع مشروع القرار الاميركي البريطاني، وما قد يرد في القرار النهائي لمجلس الأمن.السيد برونك اكد في تقريره ان الحكومة لم تف بالتزاماتها على صعيدين: اولا لم تتمكن من وقف هجمات المليشيات ولا نزع سلاحها، وثانيا لم تتخذ خطوات ملموسة لاحضار اي من زعماء المليشيات او مرتكبي تلك الهجمات للعدالة او حتى تحديد هويتهم.تأسست على هذه الادانة مطالب محددة وهي: «الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك «الأمن»، تتمثل في توسيع مهمة قوات الاتحاد الافريقي في دارفور وزيادة عددهم إلى ثلاثة آلاف». أرأيتم المتاهة التي ادخلت فيها الحكومة نفسها، لا افهم ان الحكومة لازالت تمارس القصف هناك ، واكاد لا اصدق ذلك إلا ان شكا بدا ينتابني من صمت الحكومة المطبق والمريب تجاه الادعاءات التي اطلقها اوباسانجو ثم فرق المراقبة ثم جاءت اخيرا على لسان دانفورث ، فهل يا ترى ان الحكومة تقوم حقا وحتى الآن بقصف القرى هناك؟ فإذا كان ذلك يحدث فبلا شك فإن هذا هو الجنون بعينه.لا اعرف حتى الآن كيف يمكن ان تتحدث الحكومة عن نزع اسلحة المليشيات وهي تدرك ان ذلك مستحيل تماما الآن، ولكن «اللولوة» التي تتخذها الحكومة سياسة ثابتة لها في التعامل غالبا ما تفضي بها إلى متاهة، لا تعرف سبيلا للخروج منها. وتضع نفسها تحت مطالبات المجتمع الدولي ، وتلزم نفسها بدفع استحقاقات لا تقدر علىها، اما كان الاجدر بالحكومة ان تجعل نزع اسلحة المليشيات مرهونة بالحل السياسي، الذي اذا ما انجز يمكن للحكومة ان تشرع بعده وبمراقبة دولية في نزع سلاح الجميع في الاقليم، لا يمكن ان يتم نزع سلاح القبائل ولا المتمردين قبل ذلك ، ولو اوكل هذا الامر لقوات المارينز او الى السيد رامسفيلد شخصيا، الذي بحوله وقوته لم يستطع ان ينزع اسلحة مليشيات الصدر.المتاهة الاخرى التي ادخلت فيها الحكومة نفسها هي الحديث عن تقديم زعماء المليشيات إلى العدالة، لقد بدأت الحكومة تمثيليات مضحكة في حكاية القبض على الجنجويد ومحاكمتهم، وهذه قد تمر على المجتمع الدولي ولكن ماذا عن زعماء المليشيات الذين يعرفهم المجتمع الدولي شخصيا، هل تستطيع الحكومة القبض علىهم. هل تستطيع القبض على زعماء القبائل الذين تضامنوا معها في حربها ضد التمرد، واذا فعلت ذلك ستواجه تمردا اخر في الاقليم سيكون اشد خطرا، هذه متاهة لا اعرف كيف السبيل للخروج منها، كما لا ادري لماذا لا تتعامل الحكومة بسياسة واضحة مع المجتمع الدولي، الذي يدرك تفصيلا ما جرى، وفي رأيي ان الوضوح اقصر الطرق للوصول معه إلى حلول وسط، الرأى الصحيح الذي يمكن للحكومة ان تتخارج به هو ان توضح للسادة اعضاء مجلس الامن انها لا تستطيع لا القبض على زعماء قادة القبائل ولا نزع اسلحة المليشيات الآن، كما لن يستطيع المجلس الموقر نفسه ان يفعل ذلك.المسألة الاخرى في تقرير السيد برونك تتعلق بزيادة قوات الاتحاد الافريقي وتوسيع مهامها، ويبدو أن العالم كله متفق الآن على هذه القضية ، فاصدقاء الحكومة واعداؤها ينصحونها بقبول قوات افريقية لحفظ السلام، الحكومة من جانبها توافق على قوات مراقبة لا على قوات حفظ سلام.في الاسبوع الماضي التقيت احد اعضاء الحزب الديمقراطي الاميركي الذي زار البلاد مؤخرا ،فسألته عن اهدافهم من ارسال قوات افريقية إلى دارفور، فقال لي ان هدفنا الوحيد هو حماية السكان، فقلت له اذا كان هذا هو الهدف فإن قوات المراقبة يمكن ان تفعل ذلك وخاصة وان الحكومة توافق علىها وتوافق على زيادة عددها، وفي رأيي انه ليس هناك فرق كبير بين قوات المراقبة وحفظ السلام في هذه الحالة ، فلماذا لا تدعون الحكومة تنصب الخيمة التي تريحها وتقف تحتها موفورة الكرامة، وتؤدي القوات مهمتها دون ان تتعرض الحكومة للي الذراع؟ فقوات المراقبة الافريقية اذا ما انتشرت في الاقليم مدعومة بمراقبة دولية كما هو حادث الآن، فإن الحكومة والمتحالفين معها لن يستطيعوا شن هجمات جديدة في ظل وجود هذه الرقابة، وخاصة اذا ما كان المجتمع الدولي ومجلس الامن والاعلام الدولي يتابعون ويرصدون ما يجري هناك بدقة، اضافة إلى ذلك فإن مفاوضات ابوجا اذا ما تكللت بالنجاح فلن يكون هناك داع اصلا لنشر قوات قد تدخل في الصراع نتيجة لأي خطأ غير محسوب فتغرق هي نفسها في مستنقع، كل ما يعني الحكومة في مسألة القوات الافريقية ان لا تظهر بأنها قد فرطت في سيادة الوطن.. حسنا لماذا لا تُترك الحكومة تستمتع بهذا الاحساس الجميل «سيادة الوطن»؟ مع ان السؤال الذي لن تستطيع الاجابة علىه: هل تبقت للوطن سيادة هناك في دارفور حتى نحافظ علىها؟ «300 منظمة تعمل الآن في دارفور تسرح وتمرح»، وهل بعد ما جرى ويجري في العالم من عولمة عابرة للحدود متجاوزة سيادة الاوطان، هل يمكن الحديث عن سيادة ما للوطن؟، انظر إلى ما يجري في لبنان، فمجلس الامن يتدخل الآن في اختيار من سيكون الرئيس؟ وكيف سيتم اختياره وكيف يبني لبنان علاقته مع جارته سوريا؟ قريبا ستلحق سيادة الاوطان بالغول والعنقاء والخل الوفي.نحن نبحث الآن عن معادلة للحفاظ على الوطن نفسه لا عن سيادة زائفة فيه!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق