قبل أكثر من ثلاثة أشهر ، وفي مؤتمر صحفي بالسفارة البريطانية حضره السيد الن قولتي والسيد وليام باتي سفير بريطانيا بالسودان، دار الحوار حول قضايا السلام في السودان ، وقضية دارفور .في ذلك المؤتمر طرحت سؤالا حول ما يجري في دارفور ، وسألتهما اذا ما كانا يعتقدان ان التدخل الخارجي في دارفور سيسهم في استقرار الاوضاع هناك ، أم انه سيزيد الامور اشتعالاً . وكان رأيي ان الوضع في دارفور لا يحتمل صراع ست دول وأكثر من عشر منظمات اغاثة ، هي الاخرى تعمل لصالح اجنداتها.
السيد قولتي ووليم باتي لم يسعفاني باجابة واضحة ومقنعة ، واقصى ما قالاه انهم هناك في دارفور لمساعدة اهلها ، مع وافر شكرنا وتقديرنا فقد وضح جليا للعالم الان نتائج تلك المساعدات .
ظلت دارفور لاكثر من عقدين من الزمان مسرحاً للصراعات المتداخلة التي لم يكن السودان طرفا فيها، الجغرافيا السياسية لدارفور كانت سببا رئيسيا للصراعات المسلحة هناك وبيئة مناسبة لتصفية حساب الدول مع معارضيها ، دارفور التي تتاخم ثلاث دول هي ليبيا شمالا ، وتشاد غربا ، وافريقيا الوسطي جنوب غرب ، كان قدرها ان تكون مسرحاً للصراع التشادي/ التشادي حيث تمت تصفية الحسابات في اودية وجبال دارفو ،تلك المناطق التي يغادرها المتمردون الى مقاعد الحكم ، فيما ينسحب المنهزمون مباشرة من انجمينا الىها ، دارفور الكبري ، ايضا كانت في الثمانينيات مسرحا للصراع التشادي/ الليبي ، دارفور ضمن مثلث من النار محكوم علىها بالاشتعال، ظلت على الدوام تدفع فاتورة الصراع السياسي للدول المجاورة دون ان تكون طرفا فيه.
دارفور بدت ثانياً ضحية لصراعاتها الاثنية والعرقية منذ مطلع الستينيات ، فما ان تنتهي حتى تبدأ من جديد صراعات الزغاوة / الرزيقات ، والمعالىا / الرزيقا ، والفور / العرب ، والمسالىت / والعرب، والزغاوة / القُمر .. الى آخر هذه الصراعات التي لم تتوقف يوما ، وكانت كلها تقوم على خلفية اشكالات اقتصادية حول الحواكير والاراضي ، وهي الاشكالات التي فشلت نخب السودان ان تجد لها حلاً منذ الاستقلال وحتى الان ، ذلك لان النخب كرست جل جهدها في الصراع السياسي حول الكراسي الذي ظل مفتوحا على الدوام ،فيما ظل باب البناء والتنمية موصدا في عقول السياسيين طوال خمسين عاماً ، وهاهم الان يدفعون ثمن ما غرسوه بل وتدفع اجيال ليس لها يد في ما اقترفوه .
ظلت دارفورثالثاً منذ الستينات تدفع فاتورة صراعات المجموعات الاثنية المختلفة ، مضافا الىها صراعات الاحزاب السياسية ، فمنذ قيام جبهة نهضة دارفور في ستينيات القرن الماضي، التي أسسها مثقفو دارفور ومنظمة سوني ، التي اعتمدت على ما يسمي بقبائل الزرقة ، منذ ذلك الحين بدأ الاستغلال السياسي لقضايا دارفور، واستمر خلال السبعينيات والثمانينيات، بينما استغلت القبائل والاثنيات للوصول الى البرلمان ، كانت دارفور في الانتخابات الاخيرة 1985م مسرحا للصراعات السياسية القبلية المكشوفة ، حزب الأمة الذي يملك اغلب دوائر دارفور تاريخيا سعي لكسب القبائل العربية . والاتحاديون سعوا لكسب الفور في اسوأ استغلال سياسي للصراع القبلي. والحركة الاسلامية التي كانت تستفيد من صراعات الاحزاب الكبري كسبت بعض النفوذ الشعبي في دارفور، اضافة الى نفوذها بين مثقفي دارفور وهو الشئ الذي كان وبالا علىها وعلى السودان فيما بعد ، حين تشظى المؤتمر الوطني .
حزب المؤتمر الشعبي الذي غادر السلطة قرر ان يجعل من دارفور منطقة لتصفية حساباته مع حكومة الانقاذ ، وبعث لكوادره لتأسيس حركة العدل والمساواة التي قامت بعد اجتماع المناطق المهمشة في برلين 2002م لقيادة الصراع مع حكومة الانقاذ ، وبذلك دخل على خط الصراع المسلح هناك (لتهيص) المسألة ولتصبح جماع صراعات سياسية بين احزاب طائفية واحزاب علمانية الى اخري جهوية وهى صراعات في نهايتها محض عبث لا جدوي منها ولا دخل لانسان دارفور بها ، وهكذا كل من اراد الصعود الى السلطة داخليا او خارجياً اتخذ من جثث آل دارفور سلماً .نواصل.........
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق