الأحد، 18 سبتمبر 2011

التـدخل العسكـري... لن يجـــرؤ أحد (2)

عادل البـازاحتار الامير وحارسه يخبره ان المدينة التي يحكمها قد جنّت عن بكرة ابيها، ولما سأله عن سبب ما جرى افاد ان ساحرة قد مرت ببئر المدينة وألقت تعويذة هنالك فاصيب الاهالي بالجنون. طلب الامير فورا من الحارس ان يذهب ويأتيه بماء من ذات البئر اذ لا يمكن ان يحكم عاقل مدينة لمجانين مثلي مثل الامير الذي شرب من نهر الجنون، الجاري هذه الايام.كل التكهنات تذهب إلى ان امريكا ستنشئ تحالفا دوليا يؤدي في نهاياته إلى تدخل عسكري في السودان، ويقولون ان ارهاصات ذلك قد بدأت بالفعل، ابتداء من تكوين تحالف عريض يعرف بتحالف السودان تنتمي إليه جماعات السود والجماعات المسيحية وبعض من الجماعات اليهودية مرورا بالضغوط التي يصعدها الكونجرس كل يوم حتى وصلت إلى اتهام حكومة السودان بارتكاب جرائم ابادة، واكثر من ذلك ذهبت امريكا بالموضوع بلا داعٍ إلى ساحات مجلس الامن الذي انتهى قراره إلى ما انتهى إليه قبل يومين.يقولون ان امريكا ستصعد ضغوطها حتى تصل إلى مرحلة التدخل العسكري في دارفور، هذا التدخل هدفه الاول اسقاط الحكومة الاصولية في الخرطوم، والثاني الاستيلاء على نفط السوداني والثالث معالجة المشكلة الانسانية والامنية في دارفور. اذن وضحت الاهداف ووضح الطريق ولم يتبق إلا ان يكتمل السيناريو وتسقط الحكومة ويقام نظام بديل لم يحدد احد حتى الآن شكله ولا لونه ولا هويته، اذن هذا هو السيناريو الذي نحن فيه مختلفون.سأحاول ان اوضح الرؤية الاستراتيجية للسياسة الاميركية تجاه القارة في ابعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية، حتى نصل سويا إلى طرائق التفكير الاميركية في القارة الافريقية، ثم ننظر عبر ذلك إلى الوضع السوداني داخل منظومة السياسات الاميركية.في 15 اكتوبر 2002م، نشرت الولايات المتحدة نص تقرير استراتيجية الامن القومي الذي كان الرئيس الاميركي جورج بوش بعث به إلى الكونجرس في 20 سبتمبر 2002م.. خاطبت الاستراتيجية الحاجة الملحة لامن الولايات المتحدة وجاءت القارة الافريقية ضمن هذه الرؤىة التي كونتها امريكا في العالم الذي اصبح بموجب هذه الاستراتيجية ساحة مفتوحة للحرب ضد الارهاب.افريقيا في نظر واضعي الاستراتيجية هي «ارض الوعي والفرصة السانحة جنبا إلى جنب مع الحرب واليأس والفقر»، لذلك دعت الاستراتيجية إلى ( تقوية الدول الافريقية الهشة ومساعدة انشاء قوة ذاتية لديها لضمان امن الحدود غير المحكمة في انشاء البنية التحتية اللازمة لفرض القانون وجمع الاستخبارات بغية حرمان الارهابيين من الملاذ الآمن هناك. بنية تشكل خطورة علي الحياة في افريقيا تنشأ مع انتشار الحروب الاهلية المحلية إلى خارج الحدود لتخلق مناطق حرب اقليمية). ثم بدأت الاستراتيجية توضح طرائق عملها لدرء هذه المخاطر المحتملة، تم ذلك بالدعوة إلى بناء تحالفات بين الراغبين من الدول. بُنيت هذه التحالفات على ثلاث استراتيجيات متشابكة للمنطقة:1- الدول ذات الاثر الرئيسي على محيطها مثل جنوب افريقيا ونيجيريا وكينيا واثيوبيا «ملحوظة: بالنظر إلى ما جرى من ترتيبات لعملية السلام في السودان، كانت جنوب افريقيا تمسك بالملف الامني ولازالت تلعب دورا حاسما في موضوع الترتيبات الامنية، نيجيريا لعبت دورها في بدايات مسيرة السلام وتلعب الآن دورا متعاظما في قضية دارفور، كينيا سلمت ملف السلام بالكامل حتى انجزته، اثيوبيا تلعب دورا محوريا في الاتحاد الافريقي الذي يتفاعل الآن مع ما يجري في دارفور».2- التنسيق مع الحلفاء الاوروبيين والمنظمات الدولية امر ضروري للتوسط البناء في النزاعات وفي تنفيذ عمليات سلمية ناجحة «ملحوظة اخرى انظر إلى التنسيق الذي جرى مع الاتحاد الاوروبي واميركا في موضوع دارفور، حيث لم تشذ دولة اوروبية واحدة عن التصويت على مشروع القرار الاميركي في مجلس الامن ثم انظر كيف تم توظيف مجلس الامن ذاته في هذا الامر».3- يجب دعم الدول الافريقية القادرة علي الاصلاح والمنظمات شبه الاقليمية كوسائل اولية لمعالجة التهديدات بين الدول علي اساس مستدام (دعم الاتحاد الافريقي).في الختام، دعت الاستراتيجية لتأمين مسار الحرية السياسية والاقتصادية، الطريق الاكثر امانا نحو التقدم في افريقيا جنوب الصحراء حيث تحدث معظم الحروب حول موارد مادية والوصول إلى السلطة السياسية التي تنشب بشكل مأساوي غالبا ما تكون على اساس الاختلاف الاثني والديني».اذن هكذا شخصت الاستراتيجية الصادرة في سبتمبر 2002م افريقيا ودعت إلى الطريق الاكثر امانا لتقدمها، ثم اوضحت طرائق التعامل مع الواقع الافريقي وابانت المرتكزات والآليات التي ستستخدمها.بالطبع هذه الاستراتيجية لم تأت من فراغ وان جاءت في اعقاب 11 سبتمبر، لقد سبقت هذه الاستراتيجية عدة خطوات تتابعت منذ بداية عقد التسعينيات تصاعدت وتيرتها بعد جولة كيلنتون في افريقيا 23 مارس 98 التي سبقها بمبادرة في مؤتمر واشنطن بتاريخ 16 مارس 99 طالب فيها بإسقاط الديون عن افريقيا التي بلغت سبعين مليار دولار، ثم بعد ذلك بشهرين فقط بتاريخ 17 مايو 1999 عقدت قمة افريقية في غانا شارك فيها 14 رئيس دولة وقد سبق ذلك كله مشروع القانون الاميركي الذي اجازه الكونجرس في 12 مارس 1998 باسم قانون النماء والفرص.ظلت الاستراتيجية الصادرة 2002م منذ ان اجازها الكونجرس في اكتوبر 2002، حاكمة للسياسات الاميركية تجاه افريقيا إلى ان بدأ الرئيس بوش جولته في القارة بتاريخ 8 يوليو 2003م. بعد هذه الجولة تحديدا تغيرت ملامح الاستراتيجية الامريكية تجاه افريقيا وتم ذلك بناء على مبادرة قادها فرانك وولف العضو في الكونجرس الاميركي والمهتم بالشأن الافريقي والسوداني تحديدا والذي زار السودان خيرا. قاد هذا العضو مبادرة لتجديد الرؤية الاميركية وتطويرها تجاه افريقيا، مما يجعلها اكثر توافقا مع المعطيات الجديدة
في القارة، تمخضت مبادرة فرانك وولف بدعوة الكونجرس للهيئة الاستشارية بمركز الدراسات الاستراتيجية التي يقودها كنشتاينر( المركز وهو الذي سبق ان وضع ما عرف بالورقة الاستراتيجية للسياسة السودانية التي حددت الرؤية الاميركية للتعامل مع قضية الجنوب».وطلب من مركز الدراسات الاستراتيجية الآتي: «استنباط توصيات معتمدة مبتكرة حول سياسة الولايات المتحدة ازاء افريقيا وتقديمها لوزير الخارجية كولن باول» كولن باول من جانبه سارع بالمصداقة علي تكوين الهيئة ومنحها كافة الصلاحيات لتؤدي دورها بسرعة، بالفعل بدأت الهيئة الاستشارية جلستها الافتتاحية في 12 سبتمبر 2003 وانهت اعمالها في فبراير 2004، حيث سلمت وزير الخارجية الاميركي كولن باول توصياتها. تعميما للفائدة سأنشر غدا نص التقرير الاميركي الذي يوضح الرؤية السياسية الاميركية الجديدة تجاه افريقيا، الذي نشر بتاريخ 24 مايو 2004م، ثم نواصل رؤيتنا لموضوع التدخل العسكري بعد ان تكون الرؤية الاميركية للقارة الافريقية قد اتضحت لمن يريد ان يفهم ويتعامل مع الوقائع كما هي لا كما يتوهمها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق