الأحد، 18 سبتمبر 2011

خيارات العالم وفرص الخرطوم


عادل البازالمراقب للتطورات المتلاحقة لقضية دارفور، يلحظ ان هنالك قوة ما، تدفع بالأحداث بإتجاه معين تجاوزت مرحلة الضغوط الي التلويح بالتدخل العسكري ، تم ذلك في فترة وجيزة وبعجلة يعجز المرء عن فهم سر تصاعدها بهذه الوتيرة رغم ان العالم كله يقر بأن هنالك افقا للحلول السياسية وفرصا للحل السلمي .بالأمس بعد أن اصدر الكونجرس قراره الذي استند فيه علي محض اوهام وظنون، ادخلت امريكا نفسها في مأزق ولذا أول ما فعله السيد ريتشارد باوتشر الناطق باسم الإدارة والبيت الأبيض في أول مؤتمر صحفي له، ان نأي بالإدارة الأمريكية عن تبني ما اطلقه الكونجرس في وصف ما يجري في دارفور بالإبادة الجماعية . قال السيد باوتشر في معرض تعليقه علي قرار الكونجرس (إن الإهتمام بدارفور يجب ان يتركز علي مساعدة الضحايا بدلا من توصيف العنف) . يعني هذا التصريح ان الإدارة الأمريكية لها حسابات ليست بالضرورة متطابقة مع حسابات جنجويد الكونجرس .مطالب المجتمع الدولي تتلخص في السماح بارسال الإغاثة دون معيقات، وهذا ما اعترف السيد الأمين العام للأمم المتحدة والسيد قالوشي بأنه في تحسن مستمر ، المطلب الثاني الذي يشكو منه المجتمع الدولي حتي الآن، أن الأمن بإقليم دارفور لا زال غير مستتب، والمطلوب بحسب خافير سولانا (نزع اسلحة مليشيات الجنجويد تحت اشراف بعثة الإتحاد الأفريقي) وثانياً توقيف قادة الجنجويد ، يا تري ماذا يقصد السيد سولانا حين يطالب الحكومة بنزع اسلحة الجنجويد ؟ هل يقصد سيادته ان تنزع الحكومة وتطارد وتحاكم عصابات النهب والمجرمين المعروفة تاريخيا بالجنجويد فذلك ما تقوم به الحكومة الآن؟. لكن يبدو ان المجتمع الدولي يتبني فهماً اخر للجنجويد ، فإذا كان المقصود بالجنجويد القبائل التي قاتلت مع الحكومة ضد المتمردين، فإن الوضع يكون قد بلغ مأزقاً لن تستطيع قوات الإتحاد الإفريقي ولا قوات المارينز ان تنزع اسلحة القبائل ولا ان توقــف قادتها .المصيبة ان اعضاء الكونجرس وقادة الاتحاد الأوروبي لا يدركون معني ان تسعي الحكومة لنزع سلاح القبائل، لأن ذلك يعني ببساطة اولاً ان تدخل الحكومة في حرب ابادة جماعية «جد جد» مع هذه القبائل حتي تستطيع ان تنزع سلاحها ، ثم ذلك يعني ايضا ان الحكومة ستعمل لصالح التمرد الذي لا زال يروع المدن والآمنين هناك .ما يمكن ان تفعله الحكومة في مجال الأمن هو نشر قوات كافية في ارجاء دارفور لمنع اية هجمات علي المدنيين في المدن والقري، وتأمين معسكرات النازحين ومحاكمة المتسببين في اية انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان هناك . اذا قالت الحكومة انها قادرة علي فعل غير ذلك، فلن يصدقها أحد ولا تستطيع ولو أرادت. علي الحكومة ان تطرح رؤاها بهذا الوضوح وبهذا الشكل حتي يتفهم المجتمع الدولي تعقيد الموقف في دارفور، وأن لا تحاول ممارسة اي نوع من الخداع او التزييف للحقائق أو الإلتزام بما لن تستطيعه ، فهذا سيفقدها المصداقية أمام المجتمع الدولي .وهكذا يصبح المجتمع الدولي أمام خيارين : الأول هو دعم سياسات الحكومة الأمنية الخاصة بنشر قوات نظامية «شرطة وجيش» ، ودعم مراقبي الاتحاد الأفريقي بالتمويل اللازم وزيادة عدد القوات التابعة له لتأمين المنطقة، والتي لا تنكر الحكومة صعوبة السيطرة عليها وبهذا فقط يمكن للمجتمع الدولي ان يطمئن علي استتباب الأمن .أما الخيار الثاني، فهو ان يأتي المجتمع الدولي بقواته ليطارد القبائل والجنجويد هناك ، هذا خيار اذا ما اختاره سيدرك نتائجه لاحقاً كما ادركت امريكا الحقائق عندما غاصت اقدامها في أوحال العراق .خيارات الحكومة داخليا ان تمضي في سياساتها الأمنية لتأمين المنطقة والسماح لمنظمات الإغاثة بالوصول الي معسكرات اللاجئين ومواصلة السعي للمفاوضات مع المتمردين ، خارجياً، هناك ثلاثة محاور : الأول ان تبدي الحكومة مصداقية في التعامل مع المجتمع الدولي وتفي بالتزاماتها ولا تلتزم إلا بما تستطيعه.المحور الثاني :أن تسعي لفرز الموقف داخل أمريكا بتطوير موقف الإدارة الأمريكية بحيث لا تتبني موقف الكونجرس وألا تتشدد في العقوبات التي أمام طاولة مجلس الأمن كمشروع قرار لا محالة سيصدر .المحور الثالث: هو ان تسعي لفرز الكيمان داخل الإتحاد الأوروبي ، فبريطانيا مثلاً ذهبت بعيداً لحشد قواتها متأهبة للتدخل . فهذه لا يصلح معها حوار الآن ولكن فرنسا وبموقفها الذي اعلنته، يمكن بدء حوار موضوعي معها وخاصة ان وزير خارجيتها سيزور دارفور بعد غد ، الموقف الآن دقيق وخطر، ويعتمد اولا واخيرا علي الكيفية التي ستتصرف بها الحكومة، وأمامها فرص متاحة لعمل ما هو ممكن في وقت وجيز حتي بعد صدور قرار مجلس الأمن .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق