الأحد، 11 سبتمبر 2011

بقلم : رئيس التحرير حرية الصحافة... طبل الصفيح

كنت قد شكوت للنائب الأول لدى لقائنا به في إجتماع رؤساء التحرير في منتصف الشهر الماضي خوفنا وفزعنا من الحريات الصحفية التي أطلقها السيد الرئيس عبر لقاء بيت الضيافة. مصدر الخوف والقلق لا ينبع هذه المرة من عصي الحكومة المدفونة التي يمكن أن تخرجها من بطن قوانينها كلما تعكر مزاجها وضاقت بانفلاتات الصحف ، قلت في حديثي للنائب الأول إن الحرية الصحفية بلا معلومات هي حرية فارغة لا معنى لها ولا فائدة ترجى منها ، وضربت لذلك مثلاً بما جرى في إيقاد ، فوثيقة ناكورو ظلت لأيام من الأسرار العليا للدولة حتى احترنا في أمر هذه الوثيقة الكارثة، فالحكومة من جانبها تلعن وتسخط وتشكو لطوب الأرض من ظلمها وجورها وتطالبنا من جهة أخرى أن نتبنى ذات موقفها من الوثيقة دون أن نطلع عليها. وكنت قد طالبت الأستاذ أمين حسن عمر عضو الوفد المفاوض في مؤتمر صحفي، بتمليكنا الوثيقة ، فأجابني بأنهم لا يريدون في المرحلة الحالية (أن يفتو كلو) ، وبعد أقل من 24 ساعة كانت الصحف الخارجية قد «فتت» كل شئ ونشرت الوثيقة ونقلناها عنها مستغربين لأمر هذه الحكومة العجب. أدهشني النائب الأول حين اتفق معي على بخل الحكومة المعلوماتي، ووجه السيد النائب الأول الأجهزة المعنية بوضع الآليات اللازمة لتمليك المعلومات للصحف والرد على أسئلة الصحفيين. لابد من الإشادة بهذه الاستجابة السريعة لمطلب ضروري ولازم لحرية الصحافة إلا أن المزيد هو ما نطلبه الآن ، والسبب في هذا الطمع الصحفي ، ان عالم اليوم وتدفق المعلومات والأخبار والأحداث لا ينتظر أن ترسل الأسئلة والاستفسارات وتبقى الساعات الطوال للإجابة عليها، أضرب لذلك مثلاً فلقد نشرنا وبمعلومات مؤكدة أنباء عن لقاء للنائب الأول الأستاذ علي عثمان وجون قرنق . الحكومة بعد نشر النبأ (صهينت) فلم يعلق أحد لا تكذيباً ولا تأكيداً ، وأخيراً جداً خرج وزير الخارجية بتصريح لم ينف فيه أو يؤكد هذا اللقاء رغم أهميته وخطورته خاصة في مأزق المفاوضات الحالي. كان يمكن إذا ما أفرجت الحكومة عن ما نقله الوسيط الكيني من مقترحات أن تجد دعماً وتشجيعاً لمثل هذه اللقاءات ، ولكن الحكومة بسبب بخلها المعلوماتي (تدس المحافير) وتطلب منا أن نحفر معها. تأكدت بالأمس أنباء اللقاء المنتظر الذي يجمع النائب الأول وجون قرنق في منتجع نيفاشا السياحي على بعد 90 كيلو متر من نيروبي في خلال عشرة أيام من الآن (راجع أخبار الأولى) بعد أن تأكد هذا اللقاء ، المطلوب من الحكومة الإفراج عن كافة المعلومات المتعلقة به . أسئلة كثيرة تدور في الأذهان، مثلاً هل هناك أجندة محددة للنقاش؟، هل جرى التحضير لصفقة ما؟ ، هل هو لقاء ثنائي أم لقاء تحضره جهات أخرى؟. لا شك أن الإعلام إذا امتلك المعلومات سيلعب دوراً هاماً في دفع مثل هـذا اللقاء للخروج بنتائج إيجابية وسيساعد في تهيئة المناخ عموماً. أما إذا استمرت الحكومة في بخلها المعلوماتي فإن الصحف ستظل تقرع في طبل صفيحها الفارغ ، ولا تلومن الحكومة إلا نفسها إذا أصابها الصداع من قرع الصفيح.
قولتي وإنعدام الثقة
في المؤتمر الصحفي الباكر ، كما يقول الأستاذ محمد لطيف، أطلق مبعوث السلام البريطاني ألن قولتي عدة إشارات أهمها تلك التي تتحدث عن إنعدام الثقة بين طرفي التفاوض ، والتي في اعتقاده أنها هي السبب الأهم وراء انفضاض المفاوضات الأخيرة دون نتائج هامة. إنعدام الثقة عقبة كؤود ، ليس في مرحلة المفاوضات الحالية فحسب وإنما تمتد خطورتها إلى مرحلة ما بعد السلام ، إذ كيف يمكن لطرفين شريكين لا تتوفر بينهما الثقة اللازمة للعمل المشترك ، أن يوحدا البلاد مهما كتبا من نصوص ووقعا من اتفاقيات. إنعدام الثقة الذي هو منتوج الحرب ، تغذيه حالياً ألاعيب الطرفين والمناورات التي يجريانها هنا وهناك ، والعروض المسرحية التي ينشئانها بحضور المعارضة كما وصفها دكتور الترابي، فك الله أسره. المطلوب قبل وبعد السلام أن نشرع فوراً في فعل مضاد لانعدام الثقة بإجراءات لتعزيز الثقة ،لأنه لا سبيل لإستدامة السلام في جو من المخاوف والمؤامرات . الحركة تتحدث عن مقدرة الحكومة وخبرتها الطويلة في استيعاب الأحزاب وتفكيكها من الداخل، الحركة تخاف على نفسها من الفناء ولا تصدق أن الحكومة يمكن أن تتوب عن أفعالها، بل ان الحركة تقول إن الحكومة متخصصة في تشظي حلفائها بالذات. مهما يكن من أمر فإن مخاوف الحركة تجد مبرراً لها في تاريخ ممارسات الحكومة القريبة والبعيدة. إذا كانت هذه مخاوف الحركة، لابد أن تنهض حركة واسعة لتعزيز الثقة بين الجانبين الحركة والحكومة ، وذلك يحتاج إلى بصيرة نافذة وصبر ، ولا مفر من أن يبدأ الآن ، يمكن أن تبدأ إجراءات تعزيز الثقة بمبادرات أهلية يقودها المجتمع المدني بإطلاق جملة من المبادرات الخلاقة ، وفي جانبها الرسمي يمكن للمجلس الوطني الذي يناط به إجازة اتفاق السلام يمكنه أن يقود مبادرة بلقاء الأطراف المختلفة خارج إطار المفاوضات أو دعوة شخصيات من الحركة إلى الخرطوم أو زيارة مناطق التمرد في الجنوب أو أي مقترحات قادرة على إحداث اختراق جدي في جدار انعدام الثقة الذي هو عقبة من عقبات التفاوض الآن.
ما يجري في الأسواق الحرة
إذ تقع تغييرات جوهرية في مؤسسة هي أحد أعمدة الاقتصاد الأساسية في البلاد فينبغي أن ننتبه جميعاً. الأسواق الحرة ظلت مؤسسة صامدة على مر العهود وظلت تبني نفسها حتى أصبحت نشاطاتها الاستثمارية واحدة من أبرز علامات النجاح الاقتصادي في السودان. أزعجني الخبر الذي نشرته الصحف خلال الاسبوع الماضي الذي يشير بإجراء تغييرات جوهرية بالمؤسسة ، بدأت بإقالة المدير العام الأستاذ محمد عباس ، وكان حرياً بمجلس الإدارة وهو يتخذ الإجراءات الجراحية الضرورية للمحافظة على هذه المؤسسة متفردة وناجحة ، أن يقبل عليها بكل القوة والصرامة وأن يكون حريصاً ألا يعرض هذه المؤسسة إلى أي اهتزاز خاصة أنها مؤسسة مستقرة استطاعت أن تصمد في وجه سياسات الحكومة المتقلبة وعواصف الخصخصة وأن تربح ثقة المتعاملين معها داخلياً وخارجياً ، ويديرها الآن فريق من الخبراء الذين عرفوا بالكفاءة والنزاهة، فلم تشب المؤسسة يوماً أي شائبة فساد وظلت على الدوام تعرض السودان في معارضها بوجه مشرق ومثلت معارضها انفتاحاً نادراً على العالم الخارجي، لقد استطاع الأستاذ محمد عباس وعبر السنوات الثماني التي تولى فيها إدارة الشركة، أن ينجز قيام أول منطقة حرة بالسودان بعد أن عجزت عن ذلك حكومات وشركات، ولسنوات خلت. لقد استطاع الأستاذ محمد عباس أن يعبر بهذه المؤسسة إلى بر الأمان في أحرج لحظاتها بل إلى آفاق المؤسسات الاقتصادية الكبرى، لقد كنت قريباً من هذه المؤسسة ولفترة طويلة وخبرت رجالها وطرائق عملها ، ولذا فإني لجد منزعج أن تهدر هذه الكفاءات وتذهب هذه النجاحات الكبرى للمؤسسة أدراج الرياح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق