الأحد، 18 سبتمبر 2011

دارفـــــــــور بين أوباســــــــانجو ودانفـــــــــورث

عادل البازمن المتوقع او قل من المؤكد ان اميركا ستستطيع في النهاية تمرير مشروع قرارها داخل مجلس الأمن ، اذا كان معدلا او غير معدل، ولا اظن ان اميركا تهتم بالقرار نفسه بقدر ما تهتم بالظهور أمام مواطنيها وجماعات الضغط بمظهر الادارة الحازمة تجاه حكومة السودان، الممارسة للابادة الجماعية، المنتهكة لحقوق الانسان، والتي استطاعت -أي الادارة الاميركية- ان تؤلب عليها الدنيا من اجل ارضاء ناخبيها في اليمين المسيحي والكتلة السوداء.المتوقع ان يشتمل القرار على اربع فقرات مهمة، الاولى: تتعلق بالتهديد بفرض عقوبات. في هذه الناحية غالبا ما تؤدي المساومات داخل المجلس إلى استبعاد «عبارة عقوبات نفطية» لتصبح مجرد عقوبات، هذا هو التنازل الذي ستقدمه الولايات المتحدة للصين في سبيل اجازة مشروعها. الحقيقة ان الولايات المتحدة ستقبل هذا التنازل بمزاجها، اذ انها في مواجهات كثيرة سابقة استطاعت ان تحيّد الصين، ولم تستطع الصين في اكثر من مرة تضررت فيها من قرارات مجلس الامن، ان تستعمل «حق الفيتو»، ذلك ببساطة ان الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة يبلغ «700» مليار دولار، في حين ان كل الاستثمارات النفطية للصين في السودان لا تعودعليها بأكثر من مليار دولار.في مسألة العقوبات استبعد بالامس البرلمان الاوروبي العقوبات النفطية، وحث مجلس الامن على حظر الاسلحة عن حكومة السودان، وغالبا ما ينسجم الموقف في مجلس الامن والبرلمان الاوروبي.الفقرة الثانية، تتعلق بالدعوة إلى تكوين لجنة دولية لتقصي الحقائق حول احداث دارفور. هذه اللجنة ستواجه تعقيدات شتى بعد اجازتها، فهنالك مشكلة في طريقة تكوين اللجنة، ثم هنالك قضية في تحديد مهامها وكيفية اختيار عضويتها والصلاحيات التي ستخول لها، هذا جدل سيطول داخل مجلس الامن ، وهذا لا يعني امريكا في كثير او قليل حاليا.الفقرة الثالثة: تتعلق بزيادة عدد القوات الافريقية للمراقبة.الفقرة الرابعة :تتعلق بمطالبة الحكومة بالقبض على المسؤولين عن الجرائم في دارفور وتقديمهم للمحاكمة وتوقيف نشاط الجنجويد وتجريدهم من السلاح، وخاصة ان الامين العام يدّعى حتى بالامس، ان القتل لازال مستمرا، وان الجنجويد يواصلون الهجمات على القرى هناك.في رأيي ان هذه الفقرة ملتبسة ففي ذات الوقت الذي يقرر فيه مجلس الامن انشاء لجنة تحقيق دولية يطالب بتقديم المسؤولين عن الجرائم للمحاكمة ، وذلك قبل تكوين لجنة التحقيق نفسها، اي قبل الوصول للبينات الكافية لادانة المسؤولين وتقديمهم للعدالة، اذا كان المجتمع الدولي يتهم الحكومة بأنها مسؤولة عن ذلك، فكيف ستكون الحكومة عادلة في محاكمة نفسها ومسؤوليها، واذا كان المجتمع الدولي لا يثق في ان الحكومة ترغب في نزع اسلحة الجنجويد بل وتدعمهم، فكيف يتوقع منها ان تحاكمهم او تحاكم نفسها؟ اذا كان المجتمع الدولي صادقا في اتخاذ اجراءات عادلة، فعليه انتظار ما ستسفر عنه لجنة التحقيق التي نص عليها قرار مجلس الامن، فما داعي العجلة ، هل هناك اجندة اخرى لا يفصح عنها مشروع القرار في هذه المرحلة. الله وحده يعلم ، وامريكا.الحكومة السودانية في الغالب ستوافق على زيادة عدد المراقبين وزيادة قوات الاتحاد الافريقي للمراقبة ايضا، وستوافق على استخدام هذه القوات لاغراض اخرى اذا دعت الضرورة، وعلى الارجح انها ستوافق على لجنة دولية لتقصي الحقائق.الفقرة الاولى التي ستربك الحكومة، هي المتعلقة بالعقوبات ايا كان نوعها وسترفضها، الفقرة الاخرى التي ستكون مربكة ايضا للحكومة هي تلك المتعلقة بنزع اسلحة المليشيات. الحكومة لا تريد ان توضح للمجتمع الدولي انها لا تستطيع ذلك الآن، وهذا مما يدخلها في تناقض مع التزاماتها ويعرض مصداقيتها للخطر. الحكومة لا تستطيع ذلك لان المليشيات التي تعاملت معها هي مجموعات معلومة ساهمت معها في دحر التمرد في دارفور ، فاتخاذ اية اجراءات ضد هذه المجموعات سيشعل حربا اهلية جديدة في الاقليم، حل هذه المعضلة يكمن في الحل السياسي ، وهذا لا يبدو قريبا والمجتمع الدولي في عجلة من امره، وامريكا من جانبها تعقّد الحل السياسي باشاراتها الخاطئة للمتمردين.أبوجالأول مرة يظهر تباين علني في موقف حركتي التمرد في دارفور ، فبينما رأت حركة تحرير دارفور ان هناك فرصا لمواصلة التفاوض، اعلنت حركة العدل والمساواة انهيار المفاوضات، بدا واضحا ان الاجندات المختلفة لكل حركة تؤثر في رؤيتهما للموقف من قضية دارفور، حركة العدل والمساواة بارتباطاتها السياسية مع الوسط خاصة مع المؤتمر الشعبي لها اجندة تتجاوز دارفور وقضاياها ، كما ان ارتباطها بالشعبي يعمل على خط الصراع الدائم على السلطة في الخرطوم، حركة تحرير السودان ذات الارتباط العميق بالحركة الشعبية لها اجندة مختلفة، اذ ان معظم مطالبها متعلقة بقضايا امنية وانسانية خاصة بدارفور، هذه الحركة هي ايضا ليست حرة تماما في رؤيتها السياسية والامنية، الموقف الذي اتخذته اخيرا بفرز موقفها عن حركة العدل والمساواة له علاقة بمسار التفاوض في نيفاشا واستجابة الحكومة لبدء المفاوضات هناك، ومن ناحية اخرى رغبة الحركة الشعبية في تخفيف الضغوط على الحكومة بعدم الاسراع في إعلان انهيار مفاوضات ابوجا عشية انعقاد مجلس الامن لاتخاذ قرار حول السودان. في رأيي ان الحركة الشعبية لعبت دورا ما في موقف حركة تحرير السودان الرافض لاعلان انهيار المفاوضات ولصالح الحكومة، علما بأن الحركة الشعبية ذهب قائدها جون قرنق إلى نيجيريا عند بداية المفاوضات لمظاهرة حركة تحرير دارفور التي تربت في احضان حركته، الحركة الشعبية هي من دربت «1500» عنصر لحركة تحرير السودان في راجا وسلحتهم ونقلتهم إلى دارفور، هذه المعلومات بناء على تقرير صادر من مركز الازمات الدولية، المركز الذي اشتهر بتعاطفه التام مع الحركة الشعبية وذلك في تقرير صادر في يونيو 2004م.تجدر هنا الاشارة إلى مقترح جيد تقدم به الرئيس اوباسانجو للمتفاوضين في ابوجا قبل يومين، في ما يخص الترتيبات الامنية ، حيث اقترح الرئيس النيجيري فصل مسار التفاوض إلى جزئين اولهما يتعلق باستمرار وقف اطلاق النار بناء على اتفاق انجمينا اضافة إلى توفير الامن في المعسكرات وبقاء الجيش في مناطق تمركزه الحالية في الاقليم. الجزء الثاني من المقترح والذي يتعلق بنزع اسلحة المليشيات ووضع القوات المسلحة النهائي في الاقليم، اقترح اوباسانجو ان يبحث ذلك بعد الحل السياسي والمتفاوض عليه في ابوجا، حركة تحرير السودان كانت اقرب للموافقة على هذا الطرح ، ولكن تعقيدات الموقف داخلها لم تمكنها من اتخاذ قرار حتى ساعة كتابة هذا المقال مساء امس الجمعة. فيما يعقد الرئيس اوباسانجو اجتماعا مشتركا بين الوفود المتفاوضة لعله يستطيع ان يخرج باتفاق ما او حتى اعلان مشترك ينجو بالمفاوضات من الانهيار المتوقع، الذي يزيد الامر تعقيدا بالنسبة للحكومة وللمتمردين وللاتحاد الافريقي، وبالنسبة لاوباسانجو نفسه الذي يقدم نفسه للعالم كزعيم افريقي قادر على لعب دور حاسم في حل قضايا القارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق